السبت، 26 يناير 2013

تحية الناس بلفظ التحيات


 

تحية الناس بلفظ التحيات

خالد عبد المنعم الرفاعي



كثيرًا ما نكتُب كلِمة "تَحيَّاتي" في نهاية ما نكتُبه، لكن وقع في يدي فتوى أريد أن أعرف صحَّتَها، وتوجيه كلِمة لِمن يكتُبها.
فتوى لسماحة الشيخ محمَّد بن عثيمين -رحمه الله- يُفتي فيها بعدم جواز قول: تحيَّاتي أو مع تحياتي، أو تحياتي لك؛ لأن التَّحيَّات تعريفُها شرعًا: البقاء والملك والعظمة لله، وطبعًا هذه صفاتٌ لا تُصْرف إلاَّ لله؛ ولذلك نَحن نقولُ في دبُر كلِّ صلاة في التَّشهُّد: "التحيَّات لله"، وذلك في توجيه التحيَّة لله -سبحانه وتعالى- فلا يَجوز أن نقترِن به -سبحانه- والعمل هو أن نوجِّه التحيَّة بصيغة المُفْرد، وليس بصيغة الجمع، بِمعنى أن نقول: تَحيَّتي، أو مع التحيَّة، وليس تحيَّاتي، أو مع التَّحيَّات.



الإجابة: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فالتَّحيات: جمع تَحِيَّة، وهي المُلْك، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: الحياة، وإنما قيل التحيات بالجمع؛ لأن ملوك العرب كان كل واحد منهم تُحَيِّيه أصحابُه بتحية مخصوصة، فقيل: جميع تحياتهم لله تعالى، وهو المستحق لذلك حقيقةً؛ قاله النووي في "شرح مسلم"، وقال أبو العباس القرطبي في "المفهم": "والتحيَّات: جمع تحيَّة، وهي هنا السلام، وأصلُ التحية: المُلْكُ، ومنه قولهم: حيَّاك الله؛ أي: مَلَّكك الله"، وقال الحافظ في "الفتح": "قال أبو سعيد الضرير: ليست التحيةُ المُلْكَ نفسَه؛ لكنها الكلام الذي يحيا به الملك".

فالتحياتُ جمعٌ مُحَلًّى بـ"ال"، فيفيد عمومَ جميع المحامد والتَّحَايا والسلام، وهذا لا يجوز إلا لله تعالى، وهو بخلاف قولنا: تحيَّاتي، أو مع تحياتي، أو تحياتي لك؛ فإنها لا تفيد عمومًا -أي: جميع التحيات- وإنما هي تحيات خاصة بالمتكلم أو الكاتب فقط؛ ومن ثمَّ يجوز مخاطبة الخلق بها.

هذا؛ والذي فهمناه من كلام الشَّيخ العُثيمين في كتابه "الشَّرح الممتع" هو إباحة إطْلاق لفْظ تَحيَّاتي أو تحيَّاتي لك، والمنع إطلاق التَّحيَّات التي على سبيل العموم والكمال؛ فإنَّها لا تكونُ إلا لله عزَّ وجلَّ فلا يقال لأحد من الخلق: التحيَّات لك.
حيث قال فضيلة الشيخ العُثيمين رحِمه الله: "التحيَّات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، فكلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، و"الـ" مفيدة للعموم، وجُمعت لاختِلاف أنواعِها، أمَّا أفرادُها، فلا حدَّ لها، يعني: كُلّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللامُ هنا لِلاستِحْقاق والاختِصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطْلاق إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ.
ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله، وأمَّا إذا حَيَّا إنسانٌ إنسانًا على سبيل الخُصوص، فلا بأس به.

لو قلت مثلاً: لك تحيَّاتي، أو لك تحيَّاتُنَا، أو مع التحيَّة - فلا بأس بذلك؛ قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]؛ لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكَمال لا تكون إلا لِله عزَّ وجلَّ". اهـ.

أمَّا الذي أفتى بعدم الجواز، فهو: أبو طالب محمَّد بن علي الخيمي المنعوت بالمهذّب، المتوفَّى سنة 642 هـ، وقد أفتى بذلك في رسالةٍ باسم: "شرح لفظة التحيات"، ص 50، جاء فيها ما نصُّه: "فأما لفظ التحيَّات مجموعًا، فلم أسمع في كتابٍ من كتُب العربيَّة أنَّه جُمِع إلا في جلوس الصَّلوات؛ إذْ لا يجوز إطلاقُ ذلك لغير مَن له الخلْق والأمر، وهو الله تعالى؛ لأنَّ المُلْكَ كلَّه بيد الله، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ} [آل عمران: 26] الآيةَ إلى آخرِها، والذي سطَّره أهلُ اللغة إنَّما يعبِّرون عن التحيَّة الواحدة، ولم ينتهوا لجمعِه دون إفرادِه؛ إذ كان ذلك من ذخائِر الإلهام لقوْمٍ آخَرين، فهِموا عن الله - تعالى - كتابه، فنقلوا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شريعتَه". اهـ. من كتاب "معجم المناهي اللفظيَّة".

والذي يظهر أن كان الأوْلَى والأحْرى والأكثر أجْرًا أن يتقيَّد الإنسان في التحيَّة باللَّفظ الذي جاءت به السُّنَّة، عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهي: السَّلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته،، والله أعلم.


منقـــــول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق