الاثنين، 9 نوفمبر 2015

اليأس من صلاح النفس هل يقود إلى القنوط من رحمة الله ؟





اليأس من صلاح النفس هل يقود إلى القنوط من رحمة الله ؟



الجواب :
الحمد لله



نعم ، اليأس من صلاح النفس وكفّها عن المعاصي قد يقود إلى القنوط من رحمة الله ، لأن الله تعالى يقول : ( قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/53 .




فعَلِم اللهُ أن من العباد من ييأس من رحمته لكثرة ذنوبه أو إصراره على ذنب معيّن ، فطَمْئَنَهم وأخبرهم أنه يغفر الذنوب مهما تعدَّدت وكثُرت ، أو عظُمت وتكرَّرت .

وحينئذ ، فالحذر الحذر من أن تيأس من صلاح حالك ، أو تُصاب بإحباط ، فإن ذلك سيُفرِح الشيطان ، ويعظِّم المعصيةَ في نفسك ، ويصغِّر طاعاتك في نظرك ، حتى تزهد فيها أمام تلك المعصية فتترك التوبة والطاعات بالكلية.


  بل استمر على ما أنت عليه من الطاعات ، وثابر عليها، وتُب إلى الله كلما فارقت معصية ، فإن عُدت وكررتها تُب المرة الثانية والثالثة وهكذا ، ولا يملّ الله حتى يمل العبد، والله يحبّ عباده التوابين، قال الله تعالى : ( إن الله يحبّ التوابين) البقرة / 222، وقال جل شأنه : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) آل عمران/ 135 .
 

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) . حسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه "(3427) .


لكن الذي يجب عليك حقا : ليس هو الاستسلام إلى اليأس من صلاح النفس ، فهذا حل مريح لها ، وإطلاق لعنان الهوى والشهوات .



بل أن تقف مع نفسك وقفة جد ، تغير بها نمط حياتك ، وتنظر : من أين ينفذ الشيطان إليك ، فيوقعك المرة بعد المرة .



فإن كانت فتنتك في النساء : فتزوج ، واحدة ، وأكثر من ذلك ، إن قدرت عليه ، واحتجت إليه .



وانظر إلى سبل الغواية ، من أين تنفذ إليك سهام عدوك ؛ فإن كان من صحبة السوء : فغيرها ، وإن كان من بلدك ، فاهجرها ، وابحث عن بلد وصحبة تعينك على نفسك ، وهواك وشيطانك . 



فاحذر من الأمرين من اليأس والقنوط ومن ترك نفسك فريسة للإهمال والتفريط ، فلا تعالج داءها ، بل تظل تسهل لها خطوات الشيطان ، وتدع منافذك مفتوحة مشرعة أمام عدوك ، حتى إذا أصاب منك المقتل ، وكانت الداهية : جلست تبكي ، كما يفعل العجزة والضعفاء ، وتندب حظك ، وتشكو حالك




قال ابن القيم رحمه الله : 



" وأضر ما عليه : الإهمال ، وترك المحاسبة ، والاسترسال ، وتسهيل الأمور ، وتمشيتها ؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك .
وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه ، والنظر في العاقبة.
 


وإذا فعل ذلك : سهُل عليه مواقعة الذنوب ، وأنس بها، وعسُر عليها فطامها !!
ولو حضره رشده : لعلم أن الحِمْية أسهلُ من الفطام ، وترك المألوف والمعتاد".
انتهى من
"إغاثة اللهفان" . 




ولا يُظن بك مع هذا الحرص على الخير والعبادات وكفالة اليتيم أن تكون من هؤلاء ولا هؤلاء، فالتفت إلى نفسك وراقب مواطن الخلل والضعف منها ، أحسن الظن بربك فإنه القائل (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60].



وانظر أجوبة الأسئلة أرقام : (9231) ، (45887) ، (214787) .
والله أعلم . 




منقـــــول

الإسلام سؤال وجواب

خطورة الاستشراف للفتن






خطورة الاستشراف للفتن



 


ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ -أي تهلكه-، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».
 

وقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» يوضحه زيادة ثبتت في الحديث نفسه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ -أَوْ وَقَعَتْ الفتنة- فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ»، قال رجل: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ"؟ قال: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ». كرَّرها ثلاثاً صلوات الله وسلامه عليه.
 

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في التحذير من الخوض في الفتن والدخول في غِمارها والاستشراف لها أحاديث عديدة يوصي فيها عليه الصلاة والسلام أن يكون العباد "أحلاس البيوت" وأن يكون "عبدَ الله المقتولَ وليس القاتل"، وأن يكون "خير ابني آدم" في أحاديث عديدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر فيها أمته من الاستشراف للفتن والبروز لها والخوض في غمارها لأنها هلكة وضرر على العبد في دنياه وأخراه، ولا يحمدُ صاحبها العاقبة بل يجني على نفسه وعلى غيره.
 

والأحاديث الواردة في هذا الباب لا يوفَّق للعمل بها والاعتصام بما دلت عليه إلا من شرح الله صدره للحق والهدى، ويسر الله سبيله للزوم هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، أما من أشرب قلبه الفتنة فإنه لا يقيم لهذه الأحاديث وزناً ولا يرفع بها رأساً ولا يرى لها قيمة.
 


روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح إلى حُميد بن هلال رحمه الله: أنه روى عن رجل كان من الخوارج ثم تاب وترك طريقتهم، قال ذلك الرجل: "دَخَلُوا -أي الخوارج- قَرْيَةً فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ ذَعِرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالُوا لَمْ تُرَعْ -أي ليس هناك ما يُخيف أو يَبعث إلى الخوف والقلق-، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رُعْتُمُونِي، قَالُوا: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالوا: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حَدِيثًا يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُحَدِّثُنَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ: «فِتْنَةً الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي»، قَالَ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَاكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ»، قَالُوا: أَأَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِيكَ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهَرِ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَسَالَ دَمُهُ".
 

ابن صحابي ويُحدِّثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُقيموا وزناً لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام! بل لم يكتفوا بذلك فذهبوا إلى بيته وَبَقَرُوا بطن أُمِّ وَلَدِهِ.
 

وهكذا عندما يُشرَب القلب بالفتنة ويَستشرف لها تُتلى على الإنسان آيات الله ووحيه وتنزيله وتُتلى عليه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يُبالي ولا يرفع بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام رأساً؛ ولهذا جاء في أحاديث ما يدل على أن الفتن إذا برزت وظهرت يلتبس أمرها على كثير من الناس؛ ولهذا يقال: فتنة عمياء، ويقال: فتنة صماء؛ لأن أكثر الناس يعمى عليهم أمرها ولا يستبين لهم شأنها فيخوضون في غمار الفتن ثم لا يحمدون العاقبة ويندمون فيما بعد أشد الندم؛ ولهذا أيضاً كان الأئمة رحمهم الله من سلف الأمة يُحذِّرون العباد من الفتن، ويدعون الناس إلى التأمُّل في عواقب الأمور؛ "انظروا في عاقبة أمركم"، "اصبروا"، "لا تُريقوا دماءكم ولا دماء المسلمين"... إلى غير ذلكم من الوصايا المأثور والحكم المشهورة والكلمات العظيمة المأثورة عن السلف الصالح رحمهم الله.
 


ولما وقعت الفتنة في زمن التابعين أتى نفر من الصلحاء إلى طلق بن حبيب رحمه الله وقالوا: "قد وقعت الفتنة فبم نتقيها"؟ قال: "اتقوها بتقوى الله"، قالوا: "أجمِل لنا التقوى"؟ قال: "تقوى الله: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء ثواب الله، وترك معصية الله، على نور من الله، خيفة عذاب الله".
وعندما يلزم عبدُ الله المؤمن سنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ويعتصم بحبل الله المتين وبصراطه المستقيم ويُبعد نفسه عن الأهواء والبدع تتحقق نجاته -بإذن الله-، قال مالك رحمه الله: "السُّنّة سفينة نوح فمن ركِبها نجا، ومن تركها غرِق"؛ ولهذا كان متأكداً على كل مسلم ومتعيّناً في حق كل مؤمن أن يؤمِّر السنة على نفسه، وأن يحكِّم كتاب الله في شأنه ولاسيما في الأمور الكبار والقضايا الخطيرة التي تمس أمن الأمة وخوفها، وعندما يُعوِّل الناس وعامة المؤمنين على الأئمة الأكابر والعلماء الراسخين أهل البصيرة في دين الله والدراية بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام يأمنون -بإذن الله- من العِثار، قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83].
 


والواجب على عبدِ الله إذا ماجت الفتن وبرزت أن يُقبِل على الله بالعبادة والذكر وتلاوة القرآن؛ فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»، وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ -يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ- حَتَّى يُصَلِّينَ» فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة.
 


والدعاء لنفس الإنسان خاصة ولقرابته وذويه ولإخوانه المؤمنين عامة بالنجاة من الفتن فيه -بإذن الله- سلامة الأمة وسلامة المجتمعات؛ فإن الدعاء مفتاح كل خير، والخيرات كلها بيد الله، والتوفيق كله بيد الله، فما أحسن عباد الله أن يَكثُر لجوء العبد إلى الله عز وجل بالدعاء والسؤال والطلب أن يُعيذ المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ».
 

هذا؛ وعندما يفشو في الناس الجهل وتقِل الدراية بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وتضعف المعرفة بهدي السلف الصالح من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وعندما تُصاب القلوب بغلبة الأهواء وتُبتلى بالاستشراف للفتن ترى في الناس حُلولاً للمشاكل وعلاجات للأحداث ليست مستمدة من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إذا تأمَّلت في نشأة تلك الحلول وموردها وجدتها مأخوذة من الغرب الكافر ومن أعداء دين الله جل وعلا ولا أصل لها في كتاب الله وهدي رسوله عليه الصلاة والسلام؛ ولذا فإن الواجب على المؤمن قبل أن يُقدِم أن يحكِّم الكتاب والسنة ولا يستعجل.
 


قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنها ستكون أمورٌ مشتبهات فعليكم بالتؤدة؛ فإنك أن تكون تابعاً في الخير خير من أن تكون رأساً في الشر".
 

وثبت في سنن ابن ماجة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ».
 


إن ما يُدعى إليه من بعض أصحاب الفتن في بلادنا الآمنة من مظاهرات واعتصامات وتجمهرات وتكثرات؛ إما بكتابات أو توقيعات أو كلمات تنشر على الملأ فيها تحريضات أو غيرُ ذلك من المسالك الملتويات، كل ذلكم أمور مستوردة لا يستطيع واحد من أهل تلك المسالك أن يستدل على أعماله بكتاب ناطق أو سنة ماضية.
 


قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "العلم كتاب ناطق، أو سنة ماضية، أو لا أدري".
 

أما هذه الجرأة السافرة على الأحكام والمسارعة في استيراد حلول لا أصل لها ولا أساس في دين الله فهذا كله جناية من فاعله على نفسه وعلى أُمَّته، وشريعة الله جاءت بالضوابط الواضحة في طريقة التعامل بين المحكوم والحاكم، وكيف تُعالج الأخطاء، وكيف تُتجنب الفتن، وكيف تُصلح الأمور، فمن سار في إصلاحه على ضوء كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام حقق لنفسه ولغيره الخير، وأما من سِوى هؤلاء فإنما يهلكون أنفسهم وغيرهم.
أصلح الله شأننا أجمعين، وهدانا إليه صراطاً مستقيماً، وأصلح الله لنا شأننا كله.
 

اللهم يا ربنا ويا سيدنا ويا مولانا، اللهم يا من بيده أزمة الأمور ومقاليد السماوات والأرض نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، ونسألك بأن لك الحمد وحدك لا شريك لك، يا منَّان يا بديع السماوات والأرض يا حيُّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أن تُعيذنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أراد أمننا وإيماننا وإسلامنا وسلامنا بسوء اللهم فأشغله في نفسه، ورُدَّ كيده في نحره، واجعل إلهنا تدبيره تدميره، ورُدَّه خاسئاً يا حي يا قيوم، اللهم وألِّف بين قلوبنا أجمعين على الحق والهدى، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقواتنا وأزواجنا وأموالنا وذرياتنا، واجعلنا مباركين أينما كنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين لا حول لنا ولا قوة إلا بك، عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
 

 
عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

الجمعة، 6 نوفمبر 2015

قوا أنفسكم وأهليكم نارًا



قوا أنفسكم وأهليكم نارًا

الخطبة الأولى:


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:


أيها المسلمون، إن الله جل وعلا قد أوصى بدعامة من دعائم الإسلام وأسطوان من أساطين هذا الدين، ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والنصيحة المستمرة، والأخذ بيد المسيء ونصر المسلم ظالمًا كان أو مظلومًا، وتغيير المنكر باليد واللسان والقلب، والغرض من ذلك والمقصد الشرعي هو إنجاح المهمة النبوية التي جاءت لترسي قواعد الدين في قلوب العباد، ومن هذه القواعد: توحيد الصف وجمع الكلمة ولم الشمل، والتآخي والتآلف والتعارف، وقوة المبدأ، وثبات الإيمان في القلوب ثبات الجبال وأعظم من هذا كله بعد تحقيق العبودية لله تعالى الفوز بالجنة والنجاة من النار.



عباد الله، إن أول من تبدأ به في هذا المضمار نفسك، ثم أهلك وبنوك، وأقاربك، ابدأ بالأقرب فالأقرب، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، وهذا مما يدل على أن الأولى بالدعوة والنصح هم الأقربون وهذا دليل شرعي، ويشهد أيضًا دليل عقلي لا ينكره أحد من الناس، وهو أنه لا يتصور أن يدعو إنسان قومًا إلى أداء الصلاة في وقتها مثلًا وأهله لا يصلون إطلاقًا، سيقول له أحدهم ابدأ بنفسك وانظر إلى ذويك أولًا.



قال مجاهد: {قُوا أَنْفُسَكُمْ} أوصوا أهليكم بتقوى الله وأدبوهم. وعن قتادة: "مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصيته" وعن علي رضي الله عنه في قوله: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} قال: "علموا أهليكم خيراً" [1].


أيها الأب الكريم، أنت محاسب أمام الله تعالى عن كل من تعولهم، وسيحاسبك على كل تقصير صدر منك، ما يغني عنك أمام الله تعالى إذا جئته وقد علَّمت ابنك أنواع الدراسات، وألبسته أجود الألبسة، وأطعمته أشهى الأطعمة، وأمتعته بخير متاع الدنيا؟ إن هذا كله لن يغني عنك من الله شيئًا، ما دام ابنك لم يتخلق بأخلاق الإسلام، عند ذلك سيقول ابنك: يارب إن السبب في معصيتي لك أبي فإنه لم يربني على طاعتك، وإنما ترك الشارع يربيني، وأهمل تربيتي.



أيها الزوج الكريم، أين زوجتك، هل تجلس في بيتها مع أولادها؟ هل تقوم امرأتك بطاعة الله على أحسن وجه؟ هل تحافظ على الصلوات الخمس؟ هل تزكي مالها؟ هل تصوم فرضها؟ هل تطيع زوجها على وجه يرضي الله عز وجل؟ من المسؤول عن ذلك كله؟ إنها ستوجه مقدارًا كبيرًا من اللوم والذنب عليك، فأنت وليها، وأنت القائم عليها، ولو أمرتها لأتمرت، ولو نهيتها لانزجرت، بل لو لم يوجه إليك لومها هل أنت محاسب أمام ربك العزيز عنها وعن أعمالها التي خرجت عن الجادة ولم تنصحها، ولم تغير ما وقعت فيه من منكر، ولم تحاول تعديلها؟ نعم أنت مقصر في ذلك وتحاسب على ذلك التقصير.



أيتها المرأة هل تعرفين أين تذهب ابنتك؟ وهل تدرين من جلساء ابنك؟ لماذا لم تمثلي القدوة الحسنة لأولادك من بعدك؟.



أيها المسلمون، «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [2].



قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته [3].



ولهذا فالأب مسؤول عن رعيته مستأمن عليهم، والأم مستأمنة في رعيتها وبيت زوجها ومسؤولة عنهم أمام الله تعالى، والإمام مستأمن على رعيته محاسب عليهم، وكلٌّ مسؤول ومحاسب عمن استرعاه الله عليه، فلا يحل لامرئ أن يقصر فيما استرعاه الله واستخلفه عليه.


إن الواجب على الراعي أن يقوم بجميع تكاليف وحاجيات الرعية أيًا كانوا؛ ليخفف عن نفسه عظم المسؤولية، وثقل الأمانة الملقاة على كاهله، فيسعى فيما يجلب لهم النفع في الدارين، والمصلحة العامة التي تمس حاجتهم وتحقق منافعهم.
إن الواجب على الراعي أن يأخذ لرعيته أسباب الهداية، وطرق رقيهم في أمور حياتهم، فإن قصر صار آثمًا، سيسأل عنهم يوم القيامة.



عباد الله، «إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاهُ، حفظَ ذلكَ أمْ ضيَّعَ، حتى يسألُ الرجلَ عنْ أهلِ بيتِهِ» [4]. هكذا قال النبيصلى الله عليه وسلم، فما أنتم قائلون إن سألكم رب العزة جل جلاله، هل حفظتم أم ضيعتم؟



أنت أخي الكريم، كيف تعاملت مع أهلك؟ على أي شيء ربيت أولادك؟ بأي شيء أسست أخلاقهم، ولمن بنيت انتماءهم؟ على أي منهج أقمت بيتك؟ بأي تعاليم أنشأت أسرتك؟ ما الذي بذلته من التوجيهات في منزلك؟ وما مدى تغييرك في أهلك؟ وماذا وماذا.
إن الأمر جسيم ومسؤولية أمام الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك من أن الراعي مسؤول عن رعيته وقد جاء أمر الله له بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم:6]، فإنه واجب عليه أن يعلمهم ما يقيهم به النار.




فهذه أمانة أنت مسؤول عنها، فإن الله تعالى يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]. وستحاسب على فعلك وتقصيرك في تربيتهم وتعريفهم بما يوصلهم إلى الجنة ويقيهم من النار، وتبدأ بنفسك أولًا، فإن لم تفعل فاعلم أنك خنت الأمانة، وظلمت نفسك.


ولتعلم يا رعاك الله أن الله قد هيأك لأن تقود أسرتك، وائتمنك على رعايتهم، فلا تكن هزيلًا في تحمل المسؤوليات، ضيقًا عن أعبائها، عاجزًا عن تكاليفها، فالمسؤولية بحاجة إلى كفء يقدر على جلب منافعها ما أمكن. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم..




الخطبة الثانية:


الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومن والاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه..
أيها المسلمون! إن من أروع ما يقوم به الإنسان في هذه الحياة بعد أداء ما أوجب الله عليه من الفرائض: أن يكون امرأ نافعًا لنفسه ومن حوله، لا يتباطأ في معروف، يدل على مواطن الخير ومكامن الصلاح، يدعو إلى التقوى ويوصي بالبر، ويعين على الحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، كل هذا؛ ليؤدي حملًا ملقىً على عاتقه، ألا وهي مسؤولية الأسرة والرعية، والنفس أولًا.



هذا عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة ذهب يتبوأ مقيلًا، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال له: ما تريد أن تصنع يا أبتِ؟ فقال: أي بني، أقيل، فقال: أتقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها؟


قال: أي بني، إني سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم، فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال: أدنُ مني. فدنا منه فقبل بين عينيه، وقال: الحمد للّه الذي أخرج من ظهري من يعينني على ديني، فخرج ولم يقِلْ [6].


وفي هذه القصة انظروا إلى عدة جوانب :
كيف ربى عمر ابنه على طاعة الله ومراقبته وخوفه، ليس فقط إلى أن انتفع ابنه في نفسه، بل حتى صار داعيًا إلى ذلك.
وانظروا إلى الابن أيضًا كيف يشعر بالمسؤولية، أن يقي نفسه النار ويقي أهله، فالمظالم إذا لم ترد سيحاسب أبوه عليها أمام الله؛ كونه إمامًا للمسلمين، وقائمًا برعايتهم، وكذا ابنه قد يحاسب على تماديه في كفِّ الظالم وسلب المظلوم، فلهذا بادر مسرعًا ليقي نفسه وأهله من النار.
وانظروا إلى عمر رحمه الله كيف بادر إلى وقاية نفسه من النار بالعمل أيضًا، إذ لا يكفي مجرد القول والنصح، بل لا بد من تطبيق الوقاية عملًا وواقعًا.

أيها المسلمون، أنتهي من حيث بدأت وأذكركم قوله جل في علاه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].


عليكم بتقوى الله في أنفسكم، وأهليكم وأرحامكم ومن حولكم من الأقربين؛ فإنكم مسؤولون أمام الله تعالى فيما إذا أتوا باطلًا قصرتم في إرشادهم وتوعيتهم بشأنه، ووالله إن العبد ليحاسب أمام الله تعالى ويوم القيامة يفر من أهله وذويه؛ خوفًا وخجلًا وفلَسًا؛ لما يكابد من افتقار وندم في ذلك اليوم الرهيب، فيا أخي الكريم، اعمل في دنياك بما يرضي الله جل وعلا وبما يعذرك أمامه فإنه لا لمقصر عذر حتى يقوم بما عليه من الأسباب، وأنت تعلم أنه لا أحسن ممن دعا ونصح في الله، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، إذن فعلام التهاون، والنار معدة لمن خالف أمر الله وتعدى حدوده؟.

نار حرها شديد، وغورها بعيد، لعمري هي من أعظم الوعيد، فاستفق يا رعاك الله وعلم أهلك ما ينفعهم ويقربهم إلى الجنة ويجنبهم النار.


واعلم أنك قبل أن تقوم بواجبك تجاه أهلك فأنت محاسب على واجبك نحو نفسك، فـ


لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثْلَه *** عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عَظيمُ
وابْدَأْ بنفسك فانهَها عنَ غَيِّها *** فإِذا انتهت عنه فأنتَ حَكيمُ


حقق القدوة في نفسك أولًا، ولا تنس أهلك ومن حولك، فالأمر يحتاج إلى التكامل في تربية الجميع وخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا وعبرة ودروسًا في تربيته لنفسه -وقد أدبه الله فأحسن تأديبه- فقد كان كلما نزل الوحي عليه بأمر أو بنهي وطَّن نفسه لقبول ما جاء به الوحي، وكان في نفسه يتمثل ما في القرآن حتى كان قرآنًا يمشي على الأرض، ومع ذلك أيضًا كان يربي أصحابه وأهله ويعلمهم حتى ما ترك شيئًا يوصل إلى الجنة إلا وحثنا عليه، ولا ترك شيئًا يقرب إلى النار إلا وحذرنا منه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وهذه وظيفة الأنبياء من قبله صلى الله عليه وسلم وقد قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» [7].



اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



________________________


[1]- فتح الباري لابن حجر [14/38].
[2]- رواه
عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاريالصفحة أو الرقم: 893 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | انظر شرح الحديث رقم 6184.
[3]- شرح النووي على مسلم [6/300].
[4]- مستخرج أبي عوانة [14/54]، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [1966] حسن صحيح.
[5]- شرح ابن بطال [13/294].
[6]- سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي [2/150].
[7]
الراوي : عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة- المحدث : مسلم -المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1844 - خلاصة حكم المحدث : صحيح

الاثنين، 2 نوفمبر 2015

من معاني الصدق



من معاني الصدق  


معنى الصدق لغةً واصطلاحًا

معنى الصدق لغةً:

الصدق ضدُّ الكذب، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقًا وصِدْقًا وتَصْداقًا، وصَدَّقه: قَبِل قولَه، وصدَقَه الحديث: أَنبأَه بالصِّدْق، ويقال: صَدَقْتُ القوم. أي: قلت لهم صِدْقًا وتصادقا في الحديث وفي المودة. (لسان العرب) لابن منظور [10/193]، (مختار الصحاح) للرازي [ص174].


معنى الصدق اصطلاحًا:

الصدق: "هو الخبر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيض الكذب". (الواضح في أصول الفقه) لابن عقيل [1/129].
وقال الباجي: "الصدق الوصف للمخبَر عنه على ما هو به" (إحكام الفصول) للباجي [ص 235].  .
وقال الراغب الأصفهاني: "الصدق مطابقة القول الضمير والمخبَر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا" (الذريعة إلى مكارم الشريعة) للراغب الأصفهاني [ص 270].



الفرق بين الصدق وبعض الصفات

الفرق بين الحقِّ والصدق:

"الحق في اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، من حقَّ الشيء يحقُّ إذا ثبت ووجب. وفي اصطلاح أهل المعاني: الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال، والعقائد، والأديان، والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل.
وأما الصدق، فقد شاع في الأقوال خاصة، ويقابله الكذب.
وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق: من جانب الواقع، وفي الصدق: من جانب الحكم.
فمعنى صدق الحكم: مطابقته للواقع، ومعنى حقيته: مطابقة الواقع إياه، وقد يطلق الحق على الموجد للشيء، وعلى الحكمة، ولما يوجد عليه، كما يقال: الله: حق، وكلمته: حق". (الفروق اللغوية) لأبي هلال العسكري [ص194].



الفرق بين الوفاء والصدق:

"قيل: هما أعم وأخص، فكل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء.
فإن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلا في القول؛ لأنه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول" (الفروق اللغوية) لأبي هلال العسكري [ص575].



الفرق بين الصَّادق والصِّدِّيق:


قال الماوردي: "والفرق بين الصَّادق والصِّدِّيق: أن الصادق في قوله بلسانه، والصِّدِّيق من تجاوز صدقه لسانه إلى صدق أفعاله في موافقة حاله لا يختلف سره وجهره، فصار كل صِدِّيق صادقًا، وليس كل صادق صِدِّيقًا". (تفسير الماوردي) [3/43]



أهمية الصدق في المجتمع

"تبدو لنا حاجة المجتمع الإنساني إلى خلق الصدق، حينما نلاحظ أن شطرًا كبيرًا من العلاقات الاجتماعية، والمعاملات الإنسانية، تعتمد على شرف الكلمة، فإذا لم تكن الكلمة معبرة تعبيرًا صادقًا عما في نفس قائلها، لم نجد وسيلة أخرى كافية نعرف فيها إرادات الناس، ونعرف فيها حاجاتهم ونعرف فيها حقيقة أخبارهم.
لولا الثقة بشرف الكلمة وصدقها لتفككت معظم الروابط الاجتماعية بين الناس، ويكفي أن نتصور مجتمعًا قائمًا على الكذب؛ لندرك مبلغ تفككه وانعدام صور التعاون بين أفراده.
كيف يكون لمجتمع ما كيان متماسك، وأفراده لا يتعاملون فيما بينهم بالصدق؟! وكيف يكون لمثل هذا المجتمع رصيد من ثقافة، أو تاريخ، أو حضارة؟! كيف يوثق بنقل المعارف والعلوم إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني؟! كيف يوثق بنقل الأخبار والتواريخ إذا لم يكن الصدق أحد الأسس الحضارية التي يقوم عليها بناء المجتمع؟! كيف يوثق بالوعود والعهود ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟! كيف يوثق بالدعاوى والشهادات ودلائل الإثبات القولية ما لم يكن الصدق أحد أسس التعامل بين الناس؟!" (الأخلاق الإسلامية) لعبد الرحمن الميداني [1/485].



يقول ابن القيم في الصدق إنه: "منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميَّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه، الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم تردَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة، التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين، وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان: أن يكونوا مع الصادقين، وخصَّ المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119]". (مدارج السالكين) لابن القيم [3/5].



وقال أبو حاتم: "إن الله جل وعلا فضَّل اللسان على سائر الجوارح، ورفع درجته، وأبان فضيلته، بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده، فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب، بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق، وما يعود عليه نفعه في داريه؛ لأن اللسان يقتضي ما عُوِّد؛ إن صدقًا فصدقًا، وإن كذبًا فكذبًا". (روضة العقلاء) [ص51].


أولًا: في القرآن الكريم:
أمر الإسلام بالصدق وحث عليه في كل المعاملات التي يقوم بها المسلم، والأدلة كثيرة من القرآن الكريم على هذا الخلق النبيل:
- قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119]، "أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا". (تفسير القرآن العظيم) لابن كثير [4/230].
وعن عبد الله بن عمر: "{اتَّقُوا اللَّـهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} أي: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه". وقال الضحاك: "مع أبي بكر وعمر وأصحابهما". وقال الحسن البصري: "إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكفِّ عن أهل الملة". (تفسير القرآن العظيم) لابن كثير [4/231].
- ووصف الله به نفسه فقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ حَدِيثًا} [النساء: من الآية87]، وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ قِيلًا} [النساء: من الآية122].
- وقوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
قال الشوكاني: "قوله {وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ} كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله والرسول، والإشارة بقوله: {فَأُولَـٰئِكَ} إلى المطيعين، كما تفيده من {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم} بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعدّ الله لهم، والصدِّيق المبالغ في الصدق، كما تفيده الصيغة، وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء، والشهداء: من ثبتت لهم الشهادة، والصالحين: أهل الأعمال الصالحة". (فتح القدير) للشوكاني ([/172].
- وقوله: {قَالَ اللَّـهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]. "أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم، ونطقت به جوارحهم فافتضحوا". (معالم التنزيل) للبغوي [3/123].
- وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35].
"{أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم} أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعدٍّ وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهنَّ، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان. فجازاهم على عملهم بالمغفرة لذنوبهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، {وَأَجْرًا عَظِيمًا} لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم" (تيسير الكريم الرحمن) للسعدي [664].




ثانيًا: في السنة النبوية:

جاءت الأحاديث النبوية متضافرة في الحث على الصدق، والأمر به، وأنه وسيلة إلى الجنة.
- فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا». رواه البخاري [6094]، ومسلم [2607].
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: "قال العلماء: هذا فيه حث على تحرِّي الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثر منه، فعرف به، وكتبه الله لمبالغته صِدِّيقًا إن اعتاده، أو كذَّابًا إن اعتاده. ومعنى «يكتب» هنا يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتبه في ذلك؛ ليشتهر بحظِّه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وكما يوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق بكل ذلك". (شرح صحيح مسلم) [16/241-243].
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك في الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» رواه أحمد [2/177] [6652]، والبيهقي في (شعب الإيمان) [6/449]، وحسَّن إسناده المنذري في (الترغيب والترهيب) [3/16]، والهيثمي في (مجمع الزوائد) [10/298]، وصححه الألباني في (صحيح الترغيب) [1718].
- وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدَّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم». رواه أحمد [5/323] [22809]، والحاكم [4/399]، والبيهقي في (السنن الكبرى) [12691]، وقال الذهبي في (المهذب) [2/2451]، وحسَّن إسناده ابن كثير في جامع (المسانيد والسنن) [5807].
"أي: «اضمنوا لي ستًّا» من الخصال، «من أنفسكم» بأن تداوموا على فعلها، «أضمن لكم الجنة» أي دخولها، «اصدقوا إذا حدثتم» أي: لا تكذبوا في شيء من حديثكم، إلا إن ترجح على الكذب مصلحة أرجح من مصلحة الصدق، في أمر مخصوص، كحفظ معصوم". (فيض القدير شرح الجامع الصغير) للمناوي [1/684].
- وعن أبي محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك؛ فإنَّ الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». رواه الترمذي [2518]، والنسائي [5711]. وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه النووي في (المجموع) [1/181]، وصححه الوادعي في (الصحيح المسند) [318].
"أي: اترك ما تشكُّ في كونه حسنًا أو قبيحًا، أو حلالًا أو حرامًا، «إلى ما لا يريبك» أي: واعدل إلى ما لا شك فيه يعني ما تيقنت حسنه وحِلَّه، «فإنَّ الصدق طمأنينة» أي: يطمئن إليه القلب ويسكن، وفيه إضمار أي محلُّ طمأنينة أو سبب طمأنينة، «وإنَّ الكذب ريبة» أي: يقلق القلب ويضطرب، وقال الطِّيبي: جاء هذا القول ممهدًا لما تقدمه من الكلام.
ومعناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك من الشيء منبئ عن كونه مظنَّة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشيء مشعر بحقيقته فتمسك به، والصدق والكذب يستعملان في المقال والأفعال وما يحقُّ أو يبطل من الاعتقاد، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية المطهرة عن دنس الذنوب، ووسخ العيوب". (تيسير الكريم الرحمن) للسعدي [ص 724].
- وعن أبي سفيان في حديثه الطويل في قصة هرقل عظيم الروم قال هرقل: فماذا يأمركم- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قال أبو سفيان قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والصدقة، والعفاف، والصلة». رواه البخاري [7]، ومسلم [1773].


طريق الإسلام