‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيدة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 28 مارس 2018

الفرق بين سب الدهر ووصفه





الفرق بين سب الدهر ووصفه

ولكن هناك فرق كبير بين سب الدهر وبين وصفه:

فالأول: يراد به العيب والعتب.
والثاني: لا يراد به إلا البيان والخبر.

وكذلك إضافة الفعل إلى الزمان، إنما هو من باب التجوز والتوسع في الكلام، ولا يراد به أن الزمان يدبر ويتصرف بنفسه، بل هو خلق مسخر بأمر الله تعالى، وقد أوضح ذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ عندما سئُل عن عبارة: لم تسمح لي الظروف.
فقال: ما جرى على أَلسنة بعض الناس من إضافة السماح إلى الدهر ونحو ذلك، فهو كإضافة المجيء والذهاب إلى الدهر ونحو ذلك، لا فرق بينهما، وهو شيء شائع وموجود في الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ.
وكقوله صلى الله عليه وسلم: لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه.
ومعلوم أَن المتكلم بهذه الكلمة لا يقصد أَن الدهر يتصرف بنفسه، بل يعتقد أَن الدهر خلق مسخر لا يجيء ولا يذهب إلا بمشيئة الله سبحانه، وإنما هذا من باب التجوز والتوسع في الكلام، كقوله سبحانه: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ.
على أَن الأَدب تركها وأَمثالها.
أَما لو قصد أَن الدهر يفعل حقيقة، فهذا لا شك أنه إشراك مع الله سبحانه.
وأَما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر: فلا بأس بذلك، كقوله سبحانه: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا.
وقوله: سَبْعٌ شِدَادٌ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه.
والأَدلة على ذلك كثيرة جدًا.
وأما سب الدهر: فهو الذي وردت الأَدلة بالنهي عنه والتحذير منه وتحريمه، كما في الصحيح عن أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار.
وفي رواية: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر.
انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد:  
سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم: فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط عليه الصلاة والسلام: هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ.
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد أن مع الله خالقا، لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا، فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد، فإنه كافر.
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه، لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين، لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه، لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا، وليس هذا السب يُكَفِّر، لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة.انتهى.

وكذلك فصل الدكتور عبد الرحمن المحمود في رسالة: أخطاء في العقيدة.
وقال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح كتاب التوحيد: ليس من مسبة الدهر وصف السنين بالشدة، ولا وصف اليوم بالسواد، ولا وصف الأشهر بالنحس، ونحو ذلك، لأن هذا مقيد، وهذا جاء في القرآن في نحو قوله جل وعلا: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ.
فوصف الله جل وعلا الأيام بأنها نحسات، والمقصود: في أيام نحسات عليهم، فوصف الأيام بالنحس، لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله جل وعلا في سورة القمر: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ.
فهذا ليس من سب الدهر، لأن المقصود بهذا أن الوصف ما حصل فيها كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم، وأما سبه أن ينسب الفعل إليه فيسب الدهر لأجل أنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أذية لله جل وعلا.
 انتهى.

والخلاصة: أن العبارة الأولى لا حرج فيها، وأما الثانية فهي وإن كانت لا بأس بها إلا أن الأَدب تركها وأَمثالها، كما سبق أن نبه عليه العلامة ابن إبراهيم.
والله أعلم

الأربعاء، 21 مارس 2018

معنى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه

معنى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه

فهذه الأحاديث رواها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة من الصحابة وهم عمر وابن عمر والمغيرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ، وفيها تعذيب الميت ببكاء أهله عليه .

مسائل : المسألة الأولى :
المراد بالبكاء في هذه الأحاديث .
اتفق العلماء على أنه ليس المراد من هذه الأحاديث مطلق البكاء ، بل المراد بالبكاء هنا النياحة ورفع الصوت .
قال النووي :
" وَأَجْمَعُوا كُلّهمْ عَلَى اِخْتِلَاف مَذَاهِبهمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاء بِصَوْتٍ وَنِيَاحَة لَا مُجَرَّد دَمْع الْعَيْن " انتهى .
المسألة الثانية :
أما رد عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هذه الأحاديث ، فهو اجتهاد منها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، حيث ظنت أن عمر وابنه رضي الله عنهما قد وهما وأخطآ ، وأن هذه الأحاديث معارضة لقول الله تعالى : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) الأنعام/164 .

قَالَ الْقُرْطُبِيّ : " إِنْكَار عَائِشَة رضي الله عنها ذَلِكَ وَحُكْمهَا عَلَى الرَّاوِي بِالتَّخْطِئَةِ أَوْ النِّسْيَان أَوْ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضًا وَلَمْ يَسْمَع بَعْضًا بَعِيد , لأَنَّ الرُّوَاة لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ الصَّحَابَة كَثِيرُونَ وَهُمْ جَازِمُونَ فَلا وَجْه لِلنَّفْيِ مَعَ إِمْكَان حَمْلِهِ عَلَى مَحْمَل صَحِيح " انتهى .

فإن قيل : كيف حلفت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها على أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل هذا مع ثبوته عنه ؟

فالجواب : أنها حلفت بناء على غلبة ظنها أن عمر وابنه عبد الله وهما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، والحلف على غلبة الظن جائز . قاله النووي رحمه الله بمعناه .

المسألة الثالثة :

الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما استدلت به عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها من قول الله تعالى : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) . وبيان أنه لا تعارض بينها .
اختلفت طريقة العلماء في توجيه الحديث وبيان عدم تعارضه مع الآية ، ولهم في ذلك طرق :
أَوَّلهَا : طَرِيقَة الْبُخَارِيّ
أنه يعذب بذلك إذا كان من سنته وطريقته وقد أقرّ عليه أهله في حياته فيعذب لذلك ، وإن لم يكن من طريقته فإنه لا يعذب . فإنه قال :
" بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ (أي من طريقته وعادته) "
قال الحافظ :
" فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعَذَّب بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله مَنْ كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ بِأَنْ تَكُون تِلْكَ طَرِيقَته إِلَخْ , وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّف ( فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّته ) أَيْ كَمَنْ كَانَ لا شُعُور عِنْده بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , أَوْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِأَنْ نَهَاهُمْ فَهَذَا لا مُؤَاخَذَة عَلَيْهِ بِفِعْلِ غَيْره , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن الْمُبَارَك : إِذَا كَانَ يَنْهَاهُمْ فِي حَيَاته فَفَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَعْد وَفَاته لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء " انتهى .
ثَانِيهَا :وقد نسبه النووي إلى الْجُمْهُور وصححه 
 ، حملوا الحديث عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاح بَعْد مَوْته فَنُفِّذَتْ وَصِيَّته , فَهَذَا يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ وَنَوْحهمْ ; لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوب إِلَيْهِ , فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْله وَنَاحُوا مِنْ غَيْر وَصِيَّة مِنْهُ فَلَا يُعَذَّب لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) .
قَالُوا : وَكَانَ مِنْ عَادَة الْعَرَب الْوَصِيَّة بِذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَةَ بْن الْعَبْد :
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَدِ
قَالُوا : فَخَرَجَ الْحَدِيث مُطْلَقًا حَمْلا عَلَى مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهُمْ .
ثَالِثهَا : هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ أَوْصَى بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْح ، أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِمَا .
فَأَمَّا مَنْ وَصَّى بِتَرْكِهِمَا فَلَا يُعَذَّب بِهِمَا إِذْ لا صُنْع لَهُ فِيهِمَا وَلَا تَفْرِيط مِنْهُ . وَحَاصِل هَذَا الْقَوْل إِيجَاب الْوَصِيَّة بِتَرْكِهِمَا , وَمَنْ أَهْمَلَهُمَا عُذِّبَ بِهِمَا . وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَطَائِفَة .
رَابِعهَا : وَقَالَتْ طَائِفَة : مَعْنَى الأَحَادِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّت وَيَنْدُبُونَهُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِله وَمَحَاسِنه فِي زَعْمهمْ , وَتِلْكَ الشَّمَائِل قَبَائِح فِي الشَّرْع يُعَذَّب بِهَا .
فمَعْنَى قَوْله " يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله " أَيْ بِنَظِيرِ مَا يَبْكِيه أَهْله بِهِ .
وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن حَزْم وَطَائِفَة ,
فكانوا يَنْدُبُونَ الميت بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي ظلم فِيهَا , وَشَجَاعَته الَّتِي صَرَفَهَا فِي غَيْر طَاعَة اللَّه , وَجُوده الَّذِي لَمْ يَضَعهُ فِي الْحَقّ , فَأَهْله يَبْكُونَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْمَفَاخِر وَهُوَ يُعَذَّب بِذَلِكَ .
خَامِسهَا : مَعْنَى التَّعْذِيب تَوْبِيخ الْمَلائِكَة لَهُ بِمَا يَنْدُبهُ أَهْله بِهِ كَمَا رَوَى ابن ماجه (1594) عن أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ، إِذَا قَالُوا : وَا عَضُدَاهُ ، وَا كَاسِيَاهُ ، وَا نَاصِرَاهُ ، وَا جَبَلَاهُ ، وَنَحْوَ هَذَا ، يُتَعْتَعُ –أي يقلق ويزعج ويجر بشدة- وَيُقَالُ : أَنْتَ كَذَلِكَ ؟ أَنْتَ كَذَلِكَ ؟ )
قَالَ أَسِيدٌ : فَقُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) .
قَالَ : وَيْحَكَ ! أُحَدِّثُكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَرَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟! أَوْ تَرَى أَنِّي كَذَبْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى ؟! حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (1003) بِلَفْظِ : ( مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ : وَا جَبَلاهْ وَا سَيِّدَاهْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إِلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ -أَيْ : يَضْرِبَانِهِ وَيَدْفَعَانِهِ- أَهَكَذَا كُنْتَ ؟ ) حسنه الألباني في صحيح الترمذي .
ويشهد له ما رواه البخاري (4268) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي : وَا جَبَلاهْ وَا كَذَا وَا كَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ : مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلا قِيلَ لِي : آنْتَ كَذَلِكَ ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ .
سَادِسهَا : مَعْنَى التَّعْذِيب تَأَلُّم الْمَيِّت بِمَا يَقَع مِنْ أَهْله مِنْ النِّيَاحَة وَغَيْرهَا , وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ , وَرَجَّحَهُ القاضي عِيَاض ، وَنَصَرَهُ شيخ الإسلام اِبْن تَيْمِيَة وَجَمَاعَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ .


المصدر

الخميس، 1 ديسمبر 2016

لن يدخل أحدكم الجنة بعمله



لن يدخل أحدكم الجنة بعمله 



يقول الحق - تبارك وتعالى - : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف[الكهف:107)(108)].
 ويقول - سبحانه وتعالى - :أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19] إلى غير ذلك من الآيات التي توضح ثواب الذين آمنوا عملوا الصالحات، والتي وردت في القرآن الكريم، وقد سمعت حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه: (لن يدخل أحدٌ عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
 والسؤال: كيف نوفق بين مفهوم الحديث الشريف وبين مفهوم الآيات الكريمة ؟

الجواب

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فليس بحمد الله بين الآيات وبين الأحاديث اختلاف، فالله -جل وعلا- بين أن أسباب دخولهم الجنة أعمالهم الصالحة؛ كما قال- عز وجل -: ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [(32) سورة النحل]. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [(107) سورة الكهف]. والآيات في هذا المعنى كثيرة تبين أن الأعمال الصالحة هي أسباب دخول الجنة، كما أن الأعمال الخبيثة هي أسباب دخول النار، والحديث يبين أن دخولهم الجنة ليس بمجرد العمل، بل لا بد من عفو الله ورحمته - سبحانه وتعالى - فهم دخولها بأسباب أعمالهم، ولكن الذي أوجب ذلك رحمته - سبحانه وتعالى – وعفوه ومغفرته، ولهذا يقول - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده لا يدخلن الجنة أحدكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل). فالباء هنا باء العوض هي ليست عوض العمل، ولكنه مجرد رحمة الله وعفوه - سبحانه وتعالى - حصل بذلك قبول العمل، ودخول الجنة والنجاة من النار، فهو الذي تفضل بالقوة على العمل، ويسر العمل وأعان عليه، فكل خير منه - سبحانه وتعالى -، ثم تفضل بإدخال العبد الجنة وإنجائه من النار بأسباب أعماله الصالحة، فالمعوّل على عفوه ورحمته لا عمل العبد، فعمل العبد لو شاء الله -جل وعلا- لما كان هذا العمل، ولا ما وفق له، فهو الذي وفق له وهدى له - سبحانه وتعالى - فله الشكر وله الحمد -جل وعلا-، فدخولهم الجنة برحمته وفضله ومغفرته لا بمجرد أعمالهم، بل أعمالهم أسباب والذي يسرها وأوجب دخول الجنة ومنَّ بذلك هو الله - سبحانه وتعالى- . جزاكم الله خيراً .


المصدر 
الشيخ بن باز رحمه الله 


                

الخميس، 4 أغسطس 2016

فتن كقطع الليل المظلم



 فتن كقطع الليل المظلم

 
قال العلامة عبدالكريم الخضير :-

المخرج من الفتن، وجدت الفتن،والآن تموج من حولنا، والناس يتخطفون من حولنا، ونحن نعيش في أمن ورخاء ورغد ولله الحمد والمنة، نسأل الله -جل وعلا- أن يديم هذا بتوفيقنا لرضاه.

المخرج: الاعتصام بكتاب الله -جل وعلا- والعمل بسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاء في الحديث: ((تكون فتن)) قيل: يا رسول الله فما المخرج منها: قال: ((كتاب الله)) فعلى المسلم الذي يحسن القراءة أن يكون ديدنه تلاوة كتاب الله، قراءة القرآن، في كل وقت، هذا فيه مخرج من الفتن، وفيه أيضاً بكل حرف عشر حسنات، يعني تجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أسبوع وتختم القرآن، ساعة، تختم القرآن في أسبوع، ثلاثة ملايين حسنة، ومع ذلك العصمة في كتاب الله، فمن يفرط في مثل هذا؟ ما يفرط إلا محروم، نسأل الله السلامة والعافية، يعني في وقت قصير ولا يعوقك عن تحصيل أي مصلحة، لا دين ولا دنيا، ومع ذلك تجد الذين يجلسون انتظاراً لارتفاع الشمس قلة، ونراهم في بلادنا، بلاد الخير والفضل، أقل من القليل، بل كثير من المساجد ما يجلس أحد، ما يجلس أحد، ذهبنا إلى بعض المناطق، مناطق المملكة التي في عرف كثير من الناس محل ازدراء، ليست محل، يعني ما هي بمحل التزام واستقامة، وفيها طوائف مبتدعة، وفيها اختلاط وكذا، وجلس بعد صلاة الصبح صفان إلى أن ارتفعت الشمس، ومظاهرهم ليست من مظاهر الاستقامة والالتزام، فالزهد في مثل هذه الأمور التي جاء الحث عليها لا شك أنه خذلان، يعني ما الذي يمنع أن يجلس طلاب العلم، يجلس عامة المسلمين، كبار السن، خيار الناس، بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس لمدة ساعة، ويقرأ القرآن، أسبوع ثلاثة ملايين حسنة، ويعصم من الشيطان، يعصم من الدجال، الإنسان في، غني عن العصمة من الفتن؟


المخرج في كتاب الله، العمل بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ((عليكم بسنتي))، والذي لا يعمل بالسنة لا بد وأن يبتلى ببدعة، لا بد أن يبتلى ببدعة، عليه أيضاً أن يلزم العبادة، في أوقات الفتن ففيها مخرج، وفي الحديث الصحيح: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي))، ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) فعلى الإنسان أن يلزم هذه العبادة.

                  المصدر : فتن كقطع الليل المظلم 
 

قناة فوائد د. عبدالكريم الخضير
http://goo.gl/TvWSkm

الاثنين، 9 نوفمبر 2015

اليأس من صلاح النفس هل يقود إلى القنوط من رحمة الله ؟





اليأس من صلاح النفس هل يقود إلى القنوط من رحمة الله ؟



الجواب :
الحمد لله



نعم ، اليأس من صلاح النفس وكفّها عن المعاصي قد يقود إلى القنوط من رحمة الله ، لأن الله تعالى يقول : ( قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/53 .




فعَلِم اللهُ أن من العباد من ييأس من رحمته لكثرة ذنوبه أو إصراره على ذنب معيّن ، فطَمْئَنَهم وأخبرهم أنه يغفر الذنوب مهما تعدَّدت وكثُرت ، أو عظُمت وتكرَّرت .

وحينئذ ، فالحذر الحذر من أن تيأس من صلاح حالك ، أو تُصاب بإحباط ، فإن ذلك سيُفرِح الشيطان ، ويعظِّم المعصيةَ في نفسك ، ويصغِّر طاعاتك في نظرك ، حتى تزهد فيها أمام تلك المعصية فتترك التوبة والطاعات بالكلية.


  بل استمر على ما أنت عليه من الطاعات ، وثابر عليها، وتُب إلى الله كلما فارقت معصية ، فإن عُدت وكررتها تُب المرة الثانية والثالثة وهكذا ، ولا يملّ الله حتى يمل العبد، والله يحبّ عباده التوابين، قال الله تعالى : ( إن الله يحبّ التوابين) البقرة / 222، وقال جل شأنه : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) آل عمران/ 135 .
 

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) . حسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه "(3427) .


لكن الذي يجب عليك حقا : ليس هو الاستسلام إلى اليأس من صلاح النفس ، فهذا حل مريح لها ، وإطلاق لعنان الهوى والشهوات .



بل أن تقف مع نفسك وقفة جد ، تغير بها نمط حياتك ، وتنظر : من أين ينفذ الشيطان إليك ، فيوقعك المرة بعد المرة .



فإن كانت فتنتك في النساء : فتزوج ، واحدة ، وأكثر من ذلك ، إن قدرت عليه ، واحتجت إليه .



وانظر إلى سبل الغواية ، من أين تنفذ إليك سهام عدوك ؛ فإن كان من صحبة السوء : فغيرها ، وإن كان من بلدك ، فاهجرها ، وابحث عن بلد وصحبة تعينك على نفسك ، وهواك وشيطانك . 



فاحذر من الأمرين من اليأس والقنوط ومن ترك نفسك فريسة للإهمال والتفريط ، فلا تعالج داءها ، بل تظل تسهل لها خطوات الشيطان ، وتدع منافذك مفتوحة مشرعة أمام عدوك ، حتى إذا أصاب منك المقتل ، وكانت الداهية : جلست تبكي ، كما يفعل العجزة والضعفاء ، وتندب حظك ، وتشكو حالك




قال ابن القيم رحمه الله : 



" وأضر ما عليه : الإهمال ، وترك المحاسبة ، والاسترسال ، وتسهيل الأمور ، وتمشيتها ؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك .
وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ، ويمُشِّى الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه ، والنظر في العاقبة.
 


وإذا فعل ذلك : سهُل عليه مواقعة الذنوب ، وأنس بها، وعسُر عليها فطامها !!
ولو حضره رشده : لعلم أن الحِمْية أسهلُ من الفطام ، وترك المألوف والمعتاد".
انتهى من
"إغاثة اللهفان" . 




ولا يُظن بك مع هذا الحرص على الخير والعبادات وكفالة اليتيم أن تكون من هؤلاء ولا هؤلاء، فالتفت إلى نفسك وراقب مواطن الخلل والضعف منها ، أحسن الظن بربك فإنه القائل (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60].



وانظر أجوبة الأسئلة أرقام : (9231) ، (45887) ، (214787) .
والله أعلم . 




منقـــــول

الإسلام سؤال وجواب