‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواسم الخيرات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواسم الخيرات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 30 سبتمبر 2017

فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء




 فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء
للشيخ / محمد صالح المنجد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

 فإن شهر الله المحرّم شهر عظيم مبارك، وهو أول شهور السنّة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم التي قال الله فيها: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36]. وعن أبي بكرة رضي الله عنهُ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: «السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حُرُم: ثلاثة متواليات ذو القعدةِ وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان» (رواه البخاري 2958) والمحرم سمي بذلك لكونه شهراً محرماً وتأكيداً لتحريمه. وقوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة لأنها آ كد وأبلغ في الإثم من غيرها. وعن ابن عباس في قوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها. وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه: اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تُعظّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل. (انتهى ملخّصاً من تفسير ابن كثير رحمه الله: تفسير سورة التوبة آية 36).

 فضل الإكثار من صيام النافلة في شهر محرّم:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصّيام بعد رمضان شهرُ الله المحرم» (رواه مسلم 1982). قوله: "شهر الله" إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم، قال القاري: الظاهر أن المراد جميع شهر المحرّم. ولكن قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم شهراً كاملاً قطّ غير رمضان، فيحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصّيام في شهر محرم لا صومه كله. وقد ثبت إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان، ولعلّ لم يوح إليه بفضل المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه. (شرح النووي على صحيح مسلم). 

الله يصطفي ما يشاء من الزمان والمكان: 

قال العِزُّ بن عبدِ السَّلام رحمه الله: "وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دُنْيويٌّ.. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجعٌ إلى أن الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم رمضان على صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها" (قواعد الأحكام 1/38). عاشوراء في التاريخ: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» (رواه البخاري 1865). قوله: «هذا يوم صالح» في رواية مسلم: «هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه». قوله: «فصامه موسى» زاد مسلم في روايته: «شكراً لله تعالى فنحن نصومه». وفي رواية للبخاري: «ونحن نصومه تعظيماً له». ورواه الإمام أحمد بزيادة: «وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً». قوله: «وأمر بصيامه» وفي رواية للبخاري أيضاً: «فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا». وصيام عاشوراء كان معروفاً حتى على أيام الجاهلية قبل البعثة النبويّة، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه".. قال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السّلام. وقد ثبت أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون به فسألهم عن السبب فأجابوه كما تقدم في الحديث، وأمر بمخالفتهم في اتّخاذه عيداً كما جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: "كان يوم عاشوراء تعدُّهُ اليهود عيداً". وفي رواية مسلم: "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيداً" وفي رواية له أيضاً: "كان أهل خيبر (اليهود) يتخذونه عيداً، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم". قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم» (رواه البخاري). وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه؛ لأن يوم العيد لا يصام. (انتهى ملخصاً من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري). 

فضل صيام عاشوراء:
  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى صيام يوم فضله على غيره إلاَّ هذا اليوم يومَ عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان" (رواه البخاري 1867). ومعنى "يتحرى" أي: يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (رواه مسلم 1976) وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة، والله ذو الفضل العظيم. أي يوم هو عاشوراء؟! قال النووي رحمه الله: عاشوراءُ وتاسوعاءُ اسمانِ ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة. قال أصحابنا: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرَّم، وتاسوعاء هو التّاسع منه.. وبه قال جُمْهُورُ العلماء… وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة. (المجموع). وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية (كشاف القناع ج2 صوم المحرم). وقال ابن قدامة رحمه الله: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن، لما روى ابنُ عبّاس، قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح). استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء: روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (رواه مسلم 1916). قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر، ونوى صيام التاسع. 

وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب: 

أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وكلّما كثر الصيام في محرم كان أفضل وأطيب. الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء: قال النووي رحمه الله: ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً: أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر. الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده، ذكرهما الخطابي وآخرون. الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلطٍ، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر. انتهى. وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة مثل قوله في عاشوراء: «لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع». (الفتاوى الكبرى ج6 سد الذرائع المفضية إلى المحارم). وقال ابن حجر رحمه الله في تعليقه على حديث: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»: ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه ألا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يُشعر بعض روايات مسلم. فتح 4/245). 

حكم إفراد عاشوراء بالصيام:

 قال شيخ الإسلام: صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة ولا يكره إفراده بالصوم.. (الفتاوى الكبرى ج5). وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي: وعاشوراء لا بأس بإفراده… (ج3 باب صوم التطوع). يُصا م عاشوراء ولو كان يوم سبت أو جمعة: ورد النهي عن إفراد الجمعة بالصوم، والنهي عن صوم يوم السبت إلا في فريضة ولكن تزول الكراهة إذا صامهما بضم يوم إلى كل منهما أو إذا وافق عادة مشروعة كصوم يوم وإفطار يوم أو نذراً أو قضاءً أو صوماً طلبه الشارع كعرفة وعاشوراء.. (تحفة المحتاج ج3 باب صوم التطوع – مشكل الآثار ج2 باب صوم يوم السبت). وقال البهوتي رحمه الله: ويكره تعمد إفراد يوم السبت بصوم لحديث عبد الله بن بشر عن أخته: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" (رواه أحمد بإسناد جيد والحاكم وقال: على شرط البخاري) ولأنه يوم تعظمه اليهود ففي إفراده تشبه بهم.. (إلا أن يوافق) يوم الجمعة أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء وكان عادته صومهما فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثير في ذلك (كشاف القناع ج2 باب صوم التطوع). ما العمل إذا اشتبه أول الشهر؟ قال أحمد: فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر. (المغني لابن قدامة ج3 الصيام – صيام عاشوراء). فمن لم يعرف دخول هلال محرّم وأراد الاحتياط للعاشر بنى على إكمال ذي الحجة ثلاثين كما هي القاعدة ثم صام التاسع والعاشر، ومن أراد الاحتياط للتاسع أيضاً صام الثامن والتاسع والعاشر (فلو كان ذو الحجة ناقصاً يكون قد أصاب تاسوعاء وعاشوراء يقيناً). وحيث إن صيام عاشوراء مستحب ليس بواجب فلا يؤمر النّاس بتحري هلال شهر محرم كما يؤمرون بتحري هلال رمضان وشوال. صيا م عاشوراء ماذا يكفّر؟ قال الإمام النووي رحمه الله: يكفر كل الذنوب الصغائر، وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر. ثم قال رحمه الله: صوم يوم عرفة كفّارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه… كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات، ورفعت له به درجات وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر. (المجموع شرح المهذب ج6 صوم يوم عرفة). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وتكفير الطّهارة، والصّلاة، وصيام رمضان، وعرفة، وعاشوراء للصّغائر فقط. (الفتاوى الكبرى ج5). عدم الاغترار بثواب الصيام: يغتر بعض المغرورين بالاعتماد على مثل صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة، حتى يقول بعضهم: صوم يوم عاشوراء يكفّر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر. قال ابن القيم: لم يدرِ هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفّر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة لا يقويان على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر.

 ومن المغرورين من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه، لأنه لا يحاسب نفسه على سيئاته، ولا يتفقد ذنوبه، وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها، كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح الله في اليوم مائة مرّة، ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم، ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره، فهذا أبداً يتأمّل في فضائل التسبيحات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة المغتابين والكذّابين والنمّامين، إلى غير ذلك من آفات اللّسان، وذلك محض غرور. (الموسوعة الفقهية ج31، غرور). 

صيام عاشوراء وعليه قضاء من رمضان: 

اختلف الفقهاء في حكم التطوع بالصّوم قبل قضاء رمضان، فذهب الحنفية إلى جواز التطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة، لكون القضاء لا يجب على الفور، وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى الجواز مع الكراهة، لما يلزم من تأخير الواجب، قال الدسوقي: يكره التّطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب، كالمنذور والقضاء والكفارة، سواء كان صوم التّطوع الذي قدّمه على الصوم الواجب غير مؤكد أو كان مؤكّداً كعاشوراء وتاسع ذي الحجة على الراجح، وذهب الحنابلة إلى حرمة التطوع بالصّوم قبل قضاء رمضان، وعدم صحة التطوع حينئذ ولو اتّسع الوقت للقضاء، ولابد من أن يبدأ بالفرض حتى يقضيه. (الموسوعة الفقهية ج28: صوم التطوع).

 فعلى المسلم أن يبادر إلى القضاء بعد رمضان ليتمكن من صيام عرفة وعاشوراء دون حرج، ولو صام عرفة وعاشوراء بنية القضاء من الليل أجزأه ذلك في قضاء الفريضة، و فضل الله عظيم.


 بدع عاشوراء:

 سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمّا يفعله النّاس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحنَّاء والمُصافحةِ، وطبخ الحبوب وإظهار السرور، وغير ذلك.. هل لذلك أصلٌ أم لا؟ الجوابُ: الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصّحابة، ولا التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك.. ورووا في حديث موضوع مكذوبٍ على النبي صلى الله عليه وسلم: (أنَّهُ من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر السنّة). ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب. ثم ذكر رحمه الله ملخصاً لما مرّ بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث ومقتل الحسين رضي الله عنه وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك فقال: فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهليّة من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتَّعزي بعزاء الجاهلية.. وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصّدق فيها ليس فيه إلاّ تجديد الحزن، والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتّوسل بذلك إلى سبِّ السَّابقين الأولين.. وشرُّ هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرّجل الفصيح في الكلام. فعارض هؤلاء قوم إمّا من النّواصب المتعصّبين على الحسين وأهل بيته، وإما من الجُهّال الّذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشَّرَّ بالشَّرِّ، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتماً يقيمون فيه الأحزان والأفراح، وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة.. (الفتاوى الكبرى لابن تيمية). وذكر ابن الحاج رحمه الله من بدع عاشوراء تعمد إخراج الزكاة فيه تأخيراً أو تقديماً، وتخصيصه بذبح الدجاج واستعمال الحنّاء للنساء: (المدخل ج1 يوم عاشوراء). نسأل الله أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم، وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. ونسأله أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا ويجعلنا من المتقين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

منقول 



الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

عاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).






عاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).
عاشوراء المُلهِمة




يوم العاشر من المحرَّم يوم مليء بالعِبَر، التي تمثل علامات حيَّة في أوساط الأشخاص والدول والحضارات؛ فعاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).

(ولاء) لا ينقطع بين أهل الحق مهما باعدَت بينهم الأزمنةُ، وفرَّقَت بينهم الأمكنة؛ فإنَّ رباط الحقِّ يجمعهم، ونصرته تشملهم؛ ولهذا ورد أنَّ صيام يوم عاشوراء حرص عليه الأنبياء ومحمدًا صلى الله عليه وسلم صامَه لنجاة موسى وقومه، وشرع الرسول الأكرم للمسلمين صيامه إلى قيام الساعة[1].

رابطة عمليَّة عجيبة تعلِن أنَّ أصحاب الحق أَولى ببعضهم فرحًا وحزنًا، ونصرةً وتأييدًا، وهكذا ينبغي أن يكونوا دائمًا؛ ((مثل الجسَد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى سائر الجسد بالسهر والحمَّى))[2].

وعاشوراء (براءة) لا تزول؛ من عصبيَّاتٍ تَنبني على الطغيان، وأعمالٍ تقوم على الظُّلم، ومخالفات تُنكِر الفضلَ وتَجحد النِّعم، ومؤثِّرات تشوِّش على الحقِّ وتَذهب بشخصيَّة معتنقيه، ومن ثَمَّ فلا يَنبغي للمسلم أن يقع تحت تأثير شيء من ذلك؛ عقيدةً أو عبادات أو عادات أو أخلاقًا! بل شخصيَّة صاحب الحق شخصيَّة مستقلَّة مترفِّعة عن الدنايا؛ يأخذ الحكمةَ أنَّى وجدها ويستفيد بها، وفي ذات الوقت يستقلُّ بنفسه ومنهجِه متى ما استبانَت له السَّبيل، ووضحَت له المحجَّة: ((لئن عِشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع))[3]، يَنتصر بذلك على فِتن التغريب وطغيان عادات غير المسلمين عليه.

وعاشوراء (أمل) يتجدَّد في نفوس البائسين بأنَّ الفرج قريبٌ مهما بدا لنا بُعدُه، وأنَّ النَّصر للحقِّ مهما تزَلزَل أهلُه، وأنَّ النور من رَحِم الظَّلماء مسراه مهما كثرَت الشكوك فيه، لتتأمَّل الأنفسُ اليائسة آيات الله في كلِّ زمان ومكان، ولتعتبِر بما حكى القرآنُ من جولات الصِّراع بين الحقِّ والباطل - نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد، مع أقوامهم - ما فيها وما قد كان، حتمًا سترتدُّ قلوبهم موقِنَة، ونفوسُهم مطمئنَّة، إلى أنَّ النصر حليفهم، وأن الأمل قريب...( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ )[يونس: 103].

عاشوراء ملهمة... تحتاج منَّا إلى تأمُّلات.




[1] أحاديث مشروعية صيام يوم عاشوراء كثيرة مشهورة، وهي في الصحيحين وغيرهما؛ منها حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثمَّ أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فُرض رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن شاء فليصمْه، ومن شاء فليُفطره))؛ أخرجه البخاري (1592)، ومسلم (2639).
وفي فضله حديث غيلان بن جرير عن عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة رضي الله عنه - في صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث طويل - قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: ((يكفِّر السَّنةَ الماضية))، وفي رواية: ((صيام يوم عاشوراء أَحتسِب على الله أن يكفِّر السنةَ التي قبله))؛ أخرجه مسلم (2746 - 2747)، وغيره.
وورد في سبب صيامه حديثُ سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فرأى اليهودَ تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: هذا يومٌ صالح، نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوِّهم؛ فصامه موسى، قال: ((فأنا أحقُّ بموسى منكم))، فصامَه وأمر بصيامه؛ أخرجه البخاري (2004)، ومسلم (3397).



[2] أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586).


[3] أخرجه مسلم (1134)، وفي (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): "وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان العام المقبِل، صمنا اليومَ التاسع))؛ إنَّما قال هذا صلى الله عليه وسلم لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم، وكانت فائدته: إصغاءهم لما جاء به؛ حتى يتبيَّن لهم الرشد من الغَي، فيحيا من حَيَّ عن بيِّنة، ويهلك من هلك عن بينة، ولمَّا ظهر عنادهم كان يجب مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم يُؤمر به؛ وبهذا النَّظر وبالذي تقدَّم، يَرتفع التعارض المتوهَّم في كونه صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ موافقةَ أهل الكتاب، وكان يحبُّ مخالفتَهم، وأنَّ ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقرَّ حاله عليه: أنَّه كان يحبُّ مخالفتَهم؛ إذ قد وضح الحقُّ، وظهر الأمرُ، ولو كره الكافرون؛ [9/ 140] .






منقول بتصرف

المصدر



الجمعة، 3 يونيو 2016

فضلْ شهرْ رمضَان

فضلْ شهرْ رمضَان

المصدر: موقع الشيخ ابن عثيمين
 
 
 
الحمدُ للهِ الذي أنشأَ وبَرَا، وخلقَ الماءَ والثَّرى، وأبْدَعَ كلَّ شَيْء وذَرَا، لا يَغيب عن بصرِه صغيرُ النَّمْل في الليل إِذَا سَرى، ولا يَعْزُبُ عن علمه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولاَ في السَّماء، {لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 6 8]، خَلَقَ آدَمَ فابتلاه ثم اجْتَبَاهُ فتاب عليه وهَدَى، وبَعَثَ نُوحًا فصنَع الفُلْكَ بأمر الله وجَرَى، ونَجَّى الخَليلَ من النَّارِ فصار حَرُّها بَرْدًا وسلامًا عليه فاعتَبِرُوا بِمَا جَرَى، وآتَى مُوسى تسعَ آياتٍ فَمَا ادَّكَرَ فِرْعَوْنُ وما ارْعَوَى، وأيَّدَ عيسى بآياتٍ تَبْهَرُ الوَرى، وأنْزلَ الكتابَ على محمد فيه البيَّناتُ والهُدَى، أحْمَدُه على نعمه التي لا تَزَالُ تَتْرَى، وأصلِّي وأسَلِّم على نبيِّه محمدٍ المبْعُوثِ في أُمِ القُرَى، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبِهِ في الْغارِ أبي بكرٍ بلا مِرَا، وعلى عُمَرَ الْمُلْهَمِ في رأيه فهُو بِنُورِ الله يَرَى، وعلى عثمانَ زوجِ ابْنَتَيْهِ ما كان حديثًا يُفْتَرَى، وعلى ابن عمِّهِ عليٍّ بَحْرِ العلومِ وأسَدِ الشَّرى، وعلى بَقيَةِ آله وأصحابِه الذين انتَشَرَ فضلُهُمْ في الوَرَىَ، وسَلَّمَ تسليمًا.

إخواني: لقد أظَلَّنَا شهرٌ كريم، وموسمٌ عظيم، يُعَظِّمُ اللهُ فيه الأجرَ ويُجْزلُ المواهبَ، ويَفْتَحُ أبوابَ الخيرِ فيه لكلِ راغب، شَهْرُ الخَيْراتِ والبركاتِ، شَهْرُ المِنَح والْهِبَات، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، شهرٌ مَحْفُوفٌ بالرحمةِ والمغفرة والعتقِ من النارِ، أوَّلُهُ رحمة، وأوْسطُه مغفرةٌ، وآخِرُه عِتق من النار. اشْتَهَرت بفضلِهِ الأخبار، وتَوَاتَرَت فيه الاثار، ففِي الصحِيْحَيْنِ: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: ((إِذَا جَاءَ رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ النار، وصُفِّدتِ الشَّياطينُ)). وإنما تُفْتَّحُ أبوابُ الجنة في هذا الشهرِ لِكَثْرَةِ الأعمالِ الصَالِحَةِ وتَرْغِيبًا للعَاملِينْ، وتُغَلَّقُ أبوابُ النار لقلَّة المعاصِي من أهل الإِيْمان، وتُصَفَّدُ الشياطينُ فَتُغَلُّ فلا يَخْلُصونُ إلى ما يَخْلُصون إليه في غيرِه.
وَرَوَى الإِمامُ أحمدُ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلّم - قال: ((أُعْطِيَتْ أمَّتِي خمسَ خِصَال في رمضانَ لم تُعْطهُنَّ أمَّةٌ من الأمَم قَبْلَها؛ خُلُوف فِم الصائِم أطيبُ عند الله من ريح المسْك، وتستغفرُ لهم الملائكةُ حَتى يُفطروا، ويُزَيِّنُ الله كلَّ يوم جَنتهُ ويقول: يُوْشِك عبادي الصالحون أن يُلْقُواْ عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتُصفَّد فيه مَرَدةُ الشياطين فلا يخلُصون إلى ما كانوا يخلُصون إليه في غيرهِ، ويُغْفَرُ لهم في آخر ليلة، قِيْلَ يا رسول الله أهِيَ ليلةُ القَدْرِ؟ قال: لاَ ولكنَّ العاملَ إِنما يُوَفَّى أجْرَهُ إذا قضى عَمَلَه))[1].

إخواني: هذه الخصالُ الخَمسُ ادّخَرَها الله لكم، وخصَّكم بها مجالس شهر رمضان مِنْ بين سائِر الأمم، وَمنَّ عليكم ليُتمِّمَ بها عليكُمُ النِّعَمَ، وكم لله عليكم منْ نعم وفضائلَ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110].

الخَصْلَةُ الأولى:
 
أن خُلوفَ فَمِ الصائِم أطيبُ عند الله مِنْ ريحِ المسك[2]، والخُلوف بضم الخاءِ أوْ فَتْحَها تَغَيُّرُ رائحةِ الفَم عندَ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ من الطعام. وهي رائحةٌ مسْتَكْرَهَةٌ عندَ النَّاس لَكِنَّها عندَ اللهِ أطيبُ من رائحَةِ المِسْك لأنَها نَاشِئَةٌ عن عبادة الله وَطَاعَتهِ. وكُلُّ ما نَشَأَ عن عبادته وطاعتهِ فهو محبوبٌ عِنْدَه سُبحانه يُعَوِّضُ عنه صاحِبَه ما هو خيرٌ وأفْضَلُ وأطيبُ. ألا تَرَوْنَ إلى الشهيدِ الذي قُتِلَ في سبيلِ اللهِ يُريد أنْ تكونَ كَلِمةُ اللهِ هي الْعُلْيَا يأتي يوم الْقِيَامَةِ وَجرْحُه يَثْعُبُ دمًا لَوْنُهَ لونُ الدَّم وريحُهُ ريحُ المسك؟ وفي الحَجِّ يُبَاهِي اللهُ الملائكة بأهْل المَوْقِفِ فيقولُ سبحانَه: ((انْظُرُوا إلى عبادِي هؤلاء جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا)). رواه أحمد وابن حبَّان في صحيحه[3]، وإنما كانَ الشَّعَثُ محبوبًا إلى اللهِ في هذا الْمَوْطِنِ لأنه ناشِأُ عَن طاعةِ اللهِ باجتنابِ مَحْظُوراتِ الإِحْرام وترك التَّرَفُّهِ.

الخَصْلَةُ الثانيةُ:
 
أن الملائكةَ تستغفرُ لَهُمْ حَتَّى يُفْطروا. وَالملائِكةُ عبادٌ مُكْرمُون عند اللهِ {لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]. فهم جَديْرُون بأن يستجيبَ الله دُعاءَهم للصائمينَ حيث أذِنَ لهم به. وإنما أذن الله لهم بالاستغفارِ للصائمين مِنْ هذه الأُمَّةِ تَنْويهًا بشأنِهم، ورفْعَةً لِذِكْرِهِمْ، وَبَيانًا لفَضيلةِ صَوْمهم، والاستغفارُ: طلبُ الْمغفِرةِ وهِي سَتْرُ الذنوب في الدُّنْيَا والآخِرَةِ والتجاوزُ عنها. وهي من أعْلىَ المطالبِ وأسْمَى الغَاياتِ فَكلُّ بني آدم خطاؤون مُسْرفونَ على أنفسِهمْ مُضْطَرُّونَ إلَى مغفرة اللهِ عَزَّ وَجَل.

الخَصْلَةُ الثالثةُ:
 
أن الله يُزَيِّنُ كلَّ يوم جنَّتَهُ ويَقول: ((يُوْشِك عبادي الصالحون أن يُلْقُوا عنهُمُ المَؤُونة والأَذَى ويصيروا إليك)) فَيُزَيِّن تعالى جنته كلَّ يومٍ تَهْيئَةً لعبادِهِ الصالحين، وترغيبًا لهم في الوصولِ إليهَا، ويقولُ سبحانه: ((يوْشِك عبادِي الصالحون أنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ المؤونةُ والأَذَى)) يعني: مؤونَة الدُّنْيَا وتَعَبها وأذاهَا ويُشَمِّرُوا إلى الأعْمَالِ الصالحةِ الَّتِي فيها سعادتُهم في الدُّنْيَا والاخِرَةِ والوُصُولُ إلى دار السَّلامِ والْكَرَامةِ.

الخَصْلَةُ الرابعة:
 
أن مَرَدةَ الشياطين يُصَفَّدُون بالسَّلاسِل[4] والأغْلالِ فلا يَصِلُون إِلى ما يُريدونَ من عبادِ اللهِ الصالِحِين من الإِضلاَلِ عن الحق، والتَّثبِيطِ عن الخَيْر. وهَذَا مِنْ مَعُونةِ الله لهم أنْ حَبَسَ عنهم عَدُوَّهُمْ الَّذِي يَدْعو حزْبَه ليكونوا مِنْ أصحاب السَّعير. ولِذَلِكَ تَجدُ عنْدَ الصالِحِين من الرَّغْبةِ في الخَيْرِ والعُزُوْفِ عَن الشَّرِّ في هذا الشهرِ أكْثَرَ من غيره.

الخَصْلَةُ الخامسةُ:
 
أن الله يغفرُ لأمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلّم - في آخرِ ليلةٍ منْ هذا الشهر[5] إذا قَاموا بما يَنْبَغِي أن يقومُوا به في هذا الشهر المباركِ من الصيام والقيام تفضُّلاً منه سبحانه بتَوْفَيةِ أجورِهم عند انتهاء أعمالِهم فإِن العاملَ يُوَفَّى أجْرَه عند انتهاءِ عمله.
 

وَقَدْ تَفَضَّلَ سبحانه على عبادِهِ بهذا الأجْرِ مِنْ وجوهٍ ثلاثة:
 
 
الوجه الأول: أنَّه شَرَع لهم من الأعْمال الصالحةِ ما يكون سبَبًَا لمغَفرةِ ذنوبهمْ ورفْعَةِ درجاتِهم. وَلَوْلاَ أنَّه شرع ذلك ما كان لَهُمْ أن يَتَعَبَّدُوا للهِ بها. فالعبادةُ لا تُؤخذُ إِلاَّ من وحي الله إلى رُسُلِه. ولِذَلِكَ أنْكَرَ الله على مَنْ يُشَّرِّعُونَ مِنْ دُونِه، وجَعَلَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ الشَّرْك، فَقَالَ سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى:21].
 

الوجه الثاني: أنَّه وَفَّقَهُمْ للعملِ الصالح وقد تَرَكَهُ كثيرٌ من النَّاسِ. وَلَوْلا مَعُونَةُ الله لَهُمْ وتَوْفِيْقُهُ ما قاموا به. فلِلَّهِ الفَضْلُ والمِنَّة بذلك.
{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلاِْيمَانِ إِنُ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17].

الوجه الثالث: أنَّه تَفَضَّلَ بالأجرِ الكثيرِ؛ الحَسنةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ. فالْفَضلُ مِنَ الله بِالعَمَلِ والثَّوَابِ عليه. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
 
 

إخْوانِي: بُلُوغُ رمضانَ نِعمةٌ كبيرةٌ عَلَى مَنْ بَلَغهُ وقَامَ بحَقِّه بالرِّجوع إلى ربه من مَعْصِيتهِ إلى طاعتِه، ومِنْ الْغَفْلةِ عنه إلى ذِكْرِهِ، ومِنَ الْبُعْدِ عنهُ إلى الإِنَابةِ إِلَيْهِ:
يَا ذَا الَّذِي مَا كفاهُ الذَّنْبُ في رَجبٍ        حَتَّى  عَصَى  ربَّهُ  في  شهر  شعبانِ
لَقَدْ  أظَلَّكَ  شهرُ   الصَّومِ   بَعْدَهُمَا        فَلاَ   تُصَيِّرْهُ   أَيْضًا   شَهْرَ   عِصْيانِ
وَاتْل   القُرآنَ   وَسَبِّحْ   فيهِ   مجتَهِدًا        فَإِنه      شَهْرُ      تسبِيحٍ      وقُرْآنِ
كَمْ كنتَ تعرِف مَّمنْ صَام في سَلَفٍ        مِنْ   بين   أهلٍ   وجِيرانٍ   وإخْوَانِ
أفْنَاهُمُ   الموتُ   واسْتبْقَاكَ   بَعْدهمو        حَيًَّا فَمَا أقْرَبَ  القاصِي  من  الدانِي
اللَّهُمَّ أيْقِظنَا من رَقَدَات الغفلة، ووفْقنا للتَّزودِ من التَّقْوَى قَبْلَ النُّقْلَة، وارزقْنَا اغْتِنَام الأوقاتِ في ذيِ المُهْلَة، واغْفِر لَنَا ولوَالِدِيْنا ولِجَمِيع المسلِمِين برَحْمتِك يا أَرحم الراحِمين. وصلَّى الله وسلَّم على نبيَّنا محمدٍ وعلى آله وصحبِهِ أجمعين.
 
 
 
ــــــــــــــــــــــــ
 
[1] رواه البزار والبيهقي في كتاب الثواب وإسناده ضعيف جدًا، لكن لبعضه شواهد صحيحة.
[2] رواه البخاري ومسلم بدون تخصيص بهذه الأمة.
[3] صحيح بشواهده.
[4] رواه البخاري ومسلم بلفظ: "صفدت الشياطين"، وابن خزيمة بلفظ: "الشياطين مردة الجن" ، وفي رواية النسائي: "مردة الشياطين".
وكلها من حديث أبي هريرة بدون تخصيص بهذه الأمة.
[5] روى نحوه البيهقي من حديث جابر قال المنذري: "وإسناده مقارب أصلح مما قبله" يعني حديث أبي هريرة الذي في الأصل.
 
 
 


#*#*#*#*#*#*#*#*#*#*#*#*

(1) أُعطِيَتْ أُمَّتي خمسَ خِصالٍ في رمضانَ لم تُعطَهُنَّ أمةٌ قبلَهم : خلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من ريحِ المسكِ . وتستغفرُ لهم الملائكةُ حتى يُفطِروا . ويُزيِّنُ اللهُ عزَّ وجلَّ كلَّ يومٍ جنَّتَه ثم يقولُ : يوشِكُ عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤنَةَ ويصيروا إليك . وتصفَّدُ فيه مرَدَةُ الشياطينِ فلا يخلُصوا فيه إلى ما كانوا يخلُصون إليه في غيرِه . ويُغفَر لهم في آخرِ ليلةٍ قيل : يا رسولَ اللهِ أهي ليلةُ القدرِ ؟ قال : لا ، ولكنَّ العاملَ إنما يُوفَّى أجرَه إذا قضى عملَه
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : ضعيف الترغيب
الصفحة أو الرقم: 586 | خلاصة حكم المحدث : ضعيف جداً



الخميس، 29 أكتوبر 2015

عاشوراء قصة بدأت ولكنها لم تنتهِ بعد!






قبس من نور

عاشوراء

قصة بدأت ولكنها لم تنتهِ بعد!

﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129].


س 1: لِمَ نجَّى الله موسى وبني إسرائيل من فرعون؟
ج 1: لأنهم كانوا على التوحيد والحق، وصبروا زمنًا طويلًا، وضحَّوْا واتبعوا نبيَّهم، ولأن خَصمهم مشرك ظالم، استعبَدهم وأذلَّهم.

س 2: هل تعلَّمَت واتعظت بنو إسرائيل من محنتها وعرَفت قوانين النصر الإلهي بعد هلاك فرعون واستخلافهم بعده؟
ج 2: الناظر إلى سيرتهم بعد نجاتهم، وظُلم اليهود الغاصبين للفلسطينيين مسلميهم ومسيحيهم يجيب بلا تردد: لا وألف لا.

المشهد الحالي:
ينظر الله في عمل بني إسرائيل؛ ليقيم عليهم الحجة تلو الأخرى.
لم تتوفر بعدُ في المسلمين مقوماتُ النصر الإلهي..

العاقبة:
﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 7].

عاشوراءُ
قصة بدأت
وما زلنا ننتظر نهايتها
ونحن أَوْلى بموسى منهم



منقـــــــــــــول 

الخميس، 22 أكتوبر 2015

عاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).






عاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).
عاشوراء المُلهِمة



يوم العاشر من المحرَّم يوم مليء بالعِبَر، التي تمثل علامات حيَّة في أوساط الأشخاص والدول والحضارات؛ فعاشوراء (ولاء)، و(براء)، و(أمل).

(ولاء) لا ينقطع بين أهل الحق مهما باعدَت بينهم الأزمنةُ، وفرَّقَت بينهم الأمكنة؛ فإنَّ رباط الحقِّ يجمعهم، ونصرته تشملهم؛ ولهذا ورد أنَّ صيام يوم عاشوراء حرص عليه الأنبياء ومحمدًا صلى الله عليه وسلم صامَه لنجاة موسى وقومه، وشرع الرسول الأكرم للمسلمين صيامه إلى قيام الساعة[1].

رابطة عمليَّة عجيبة تعلِن أنَّ أصحاب الحق أَولى ببعضهم فرحًا وحزنًا، ونصرةً وتأييدًا، وهكذا ينبغي أن يكونوا دائمًا؛ ((مثل الجسَد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى سائر الجسد بالسهر والحمَّى))[2].

وعاشوراء (براءة) لا تزول؛ من عصبيَّاتٍ تَنبني على الطغيان، وأعمالٍ تقوم على الظُّلم، ومخالفات تُنكِر الفضلَ وتَجحد النِّعم، ومؤثِّرات تشوِّش على الحقِّ وتَذهب بشخصيَّة معتنقيه، ومن ثَمَّ فلا يَنبغي للمسلم أن يقع تحت تأثير شيء من ذلك؛ عقيدةً أو عبادات أو عادات أو أخلاقًا! بل شخصيَّة صاحب الحق شخصيَّة مستقلَّة مترفِّعة عن الدنايا؛ يأخذ الحكمةَ أنَّى وجدها ويستفيد بها، وفي ذات الوقت يستقلُّ بنفسه ومنهجِه متى ما استبانَت له السَّبيل، ووضحَت له المحجَّة: ((لئن عِشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع))[3]، يَنتصر بذلك على فِتن التغريب وطغيان عادات غير المسلمين عليه.

وعاشوراء (أمل) يتجدَّد في نفوس البائسين بأنَّ الفرج قريبٌ مهما بدا لنا بُعدُه، وأنَّ النَّصر للحقِّ مهما تزَلزَل أهلُه، وأنَّ النور من رَحِم الظَّلماء مسراه مهما كثرَت الشكوك فيه، لتتأمَّل الأنفسُ اليائسة آيات الله في كلِّ زمان ومكان، ولتعتبِر بما حكى القرآنُ من جولات الصِّراع بين الحقِّ والباطل - نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد، مع أقوامهم - ما فيها وما قد كان، حتمًا سترتدُّ قلوبهم موقِنَة، ونفوسُهم مطمئنَّة، إلى أنَّ النصر حليفهم، وأن الأمل قريب... ï´؟ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [يونس: 103].

عاشوراء ملهمة... تحتاج منَّا إلى تأمُّلات.




[1] أحاديث مشروعية صيام يوم عاشوراء كثيرة مشهورة، وهي في الصحيحين وغيرهما؛ منها حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثمَّ أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فُرض رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن شاء فليصمْه، ومن شاء فليُفطره))؛ أخرجه البخاري (1592)، ومسلم (2639).
وفي فضله حديث غيلان بن جرير عن عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة رضي الله عنه - في صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث طويل - قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: ((يكفِّر السَّنةَ الماضية))، وفي رواية: ((صيام يوم عاشوراء أَحتسِب على الله أن يكفِّر السنةَ التي قبله))؛ أخرجه مسلم (2746 - 2747)، وغيره.
وورد في سبب صيامه حديثُ سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فرأى اليهودَ تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: هذا يومٌ صالح، نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوِّهم؛ فصامه موسى، قال: ((فأنا أحقُّ بموسى منكم))، فصامَه وأمر بصيامه؛ أخرجه البخاري (2004)، ومسلم (3397).



[2] أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586).


[3] أخرجه مسلم (1134)، وفي (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): "وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان العام المقبِل، صمنا اليومَ التاسع))؛ إنَّما قال هذا صلى الله عليه وسلم لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم، وكانت فائدته: إصغاءهم لما جاء به؛ حتى يتبيَّن لهم الرشد من الغَي، فيحيا من حَيَّ عن بيِّنة، ويهلك من هلك عن بينة، ولمَّا ظهر عنادهم كان يجب مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم يُؤمر به؛ وبهذا النَّظر وبالذي تقدَّم، يَرتفع التعارض المتوهَّم في كونه صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ موافقةَ أهل الكتاب، وكان يحبُّ مخالفتَهم، وأنَّ ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقرَّ حاله عليه: أنَّه كان يحبُّ مخالفتَهم؛ إذ قد وضح الحقُّ، وظهر الأمرُ، ولو كره الكافرون؛ [9/ 140] .





منقول بتصرف

المصدر



الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

يوم عرفة






******* يوم عرفة ******

تذكرة ببعض الأعمال الصالحة، جعلنا الله وإياكم من الفائزين


🍂1- الصيام
(يكفر سنة ماضية وسنة قادمة)
   
🍂2-إفطار صائم
(لك مثل أجره)

🍂3- الصلوات المفروضة أول الوقت
(أحب الأعمال إلى الله)

🍂4- التقرب إلى الله بالنوافل
(السنن الرواتب، الضحى ..)

🍂5- لزوم المصلى بعد صلاة الفجر على طهارة وذكر حتى الشروق ثم صلاة ركعتين بعد زوال وقت الكراهة
(أجر حجة وعمرة تامة)

🍂6- الذكر أذكار الصباح والمساء، عقب الوضوء والآذان والصلاة ... )
💦ذكر مطلق (تسبيح، تحميد ، تهليل ...)
💦خاصة التكبير
مطلق في كل وقت
ومقيد عقب الصلوات: اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، لا إله إلا اللّٰه، اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، ولله الحمد

🍂7- ترديد لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

🍂8- الدعاء
(خير الدعاء دعاء يوم عرفة، دعاء الصائم لا يرد)

🍂9- الصدقة والجود ونية إدخال السرور على المسلمين 

🍂10- قراءة القرآن وتدبره
....صن قلبك وجوارحك عن فضول النظر والسمع والكلام ، واستغل كل دقيقة في يومك...



🌸تقبل اللّٰه منا ومنكم🌸

الأحد، 20 سبتمبر 2015

ما هو التكبير المطلق والمقيد ؟ ومتى يبدأ ؟.







ما هو التكبير المطلق والمقيد ؟ ومتى يبدأ ؟.



أولاً : فضل التكبير...
الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة أيامٌ معظمة أقسم الله بها في كتابه والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه ، قال تعالى : ( والفجر وليال عشر ) قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف : إنها عشر ذي الحجة . قال ابن كثير : " وهو الصحيح " تفسير ابن كثير8/413 .



والعمل في هذه الأيام محبوبٌ إلى الله سبحانه وتعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ .





فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " رواه البخاري ( 969 ) والترمذي ( 757 ) واللفظ له وصححه الألباني في صحيح الترمذي 605





ومن العمل الصالح في هذه الأيام ذكر الله بالتكبير والتهليل لما يلي من الأدلة :
1- قال تعالى : ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) الحج / 28 . والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة .


2- قال تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات ... ) البقرة / 203 ، وهي أيام التشريق .


3- ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ) رواه مسلم 1141


ثانياً : صفته ...


اختلف العلماء في صفته على أقوال :





الأول : " الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله ، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد "



الثاني : " الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله ، الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد "



الثالث : " الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله ، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد " .

والأمر واسع في هذا لعدم وجود نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يحدد صيغة معينة .



ثالثاً : وقته ...



التكبير ينقسم إلى قسمين :





1- مطلق : وهو الذي لا يتقيد بشيء ، فيُسن دائماً ، في الصباح والمساء ، قبل الصلاة وبعد الصلاة ، وفي كل وقت .

2- مقيد : وهو الذي يتقيد بأدبار الصلوات .



فيُسن التكبير المطلق في عشر ذي الحجة وسائر أيام التشريق ، وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة ( أي من غروب شمس آخر يوم من شهر ذي القعدة ) إلى آخر يوم من أيام التشريق ( وذلك بغروب شمس اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة ) .



وأما المقيد فإنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق - بالإضافة إلى التكبير المطلق – فإذا سَلَّم من الفريضة واستغفر ثلاثاً وقال : " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " بدأ بالتكبير .


هذا لغير الحاج ، أما الحاج فيبدأ التكبير المقيد في حقه من ظهر يوم النحر .



والله أعلم .


أنظر مجموع فتاوى ابن باز رحمه الله 13/17 ، والشرح الممتع لابن عثيمين رحمه الله 5/220-224 .









الإســلام ســؤال وجواب

الأحد، 13 سبتمبر 2015

أين أنت في عشر ذي الحجة؟





أين أنت في عشر ذي الحجة؟ 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: 
أيها الأخ المسلم الكريم فها هي أيام العشر الأول من ذي الحجة، أيام الخير والبركة تهل علينا حاملة بشائر الأجر ونسائم الفضل، يستعد لها الموفقون، ويسعد بها الطائعون، ويطمع في بركتها الصالحون، فأين أنت في هذه الأيام العشر المباركة؟ وماذا أعددت لاستقبالها واغتنامها والتزود فيها؟
في هذه الورقات نقدم لك أيها الأخ الكريم والأخت الكريمة بياناً بفضيلة هذه الأيام المباركة، ودعوة للاستفادة من هذه الأوقات الفاضلة، سائلين الله أن يرزقنا وإياكم التوفيق لما يحبه ويرضاه.



 


فضيلة هذه الأيام:
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». وفي رواية عند الطبراني في الكبير: «مَا مِنْ أَيَّامٍ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ». وفي رواية عند الدارمي: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ أَعْظَمَ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الأَضْحَى».

وأخرج الطيالسي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده أيام الْعَشْرِ فقال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَمَلُ فِيهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ».
ذلك بعض ما أشار إليه حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من فضيلة هذه الأيام، ولما كان الصحابة رضي الله عنهما قد استقر عندهم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وأعظم الأعمال، فقد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الصالح في هذه الأيام هل يسبق في الأجر والدرجة تلك الفريضة الكريمة السامية؟ فبيِّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجهاد لا يسبق العمل الصالح في هذه الأيام إلا في حالة واحدة، وهي أن يخرج المجاهد مخاطراً بماله ونفسه فينال الشهادة ويفقد المال ولا يرجع بشيء، وقد أخرج أحمد وغيره من طرق يقوي بعضها بعضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذُكِرَتْ الْأَعْمَالُ فَقَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ : فَأَكْبَرَهُ، قَالَ «وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَكُونَ مُهْجَةُ نَفْسِهِ فِيهِ».


وأخرج ابن حبان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ»، قال: فقال رجل: يا رسول الله، هُنَّ أَفْضَلُ أم عِدَّتُهِنَّ جِهَاداً فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قال: «هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَاداً فِي سَبِيلِ اللهِ...»، الحديث، قال ابن رجب في فتح الباري: "هذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه، وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره. ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء، وقد سُئل صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ قالَ: «مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ، وَأُهْرِيقَ دَمُهُ»، وسمع رجلاً يقول: "اللَّهُمَّ اعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين، فقالَ لهُ: «إِذَنْ يُعْقَرُ جَوَادُك، وَتُسْتَشْهَدُ»، فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها" (انتهى كلام ابن رجب).
ومن ثم اجتهد الموفقون في صالح الأعمال في هذه الأيام، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ راوي الحديث عن ابن عباس "إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَاداً شَدِيداً حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ" (أخرجه الدارمي). وكان يدعو إلى عدم إطفاء السرُج، كناية عن طول القيام وكثرة الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة.
فأين أنت من هذا الخير العظيم؟




1- أين أنت من التعرض لنفحات رحمة الله في أيام العشر؟
أخرج الطبراني في الكبير وفي الدعاء، والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، والقضاعي في مسند الشهاب عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «افْعَلُوا (وفي رواية: اطلبوا)، الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ (زاد في رواية: كله)، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» (قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني وإسناده رجاله رجال الصحيح غير عيسى بن موسى بن إياس بن البُكير وهو ثقة. وأخرجه الطبراني في الدعاء والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا في: الفرج بعد الشدة).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ»، فذكره بمثله، وأخرج الطبراني في الكبير وفي الأوسط عَنْ مُحَمَّدِ ابن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا».
قال الهيثمي في المجمع: وفيه من لم أعرفهم ومن عرفتهم وُثِّقوا.
وأخرج الدولابي في الكنى والأسماء نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وأخرج الرامهرمزي في المحدث الفاصل عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتاباً: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّ دَعْوَةً أَنْ تُوَافِقَ رَحْمَةً يَسْعَدُ بِهَا صَاحِبُهَا سَعَادَةً لَا يَخْسَرُ بَعْدَهَا أَبَداً».


والتعرض لنفحات رحمة الله يكون بكثرة الدعاء والسؤال في هذه الأوقات الفاضلة باعتبارها أوقات إجابة وتفضل من الله تعالى، فهل تحرص أيها الأخ الحبيب على ورد من الدعاء فيها؟ وهل تحرص على أن تجعل لدعوتك ولإخوانك ولأمتك نصيباً موفوراً من الدعوات المباركة في هذه الأيام؟ وهل تخص بمزيد من صادق الدعوات إخوانك المجاهدين أهل الرباط في فلسطين وغيرها من ديار الإسلام؟ أسأل الله أن يوفقنا وإياك لما يرضيه، وأن يستر عوراتنا ويؤمن روعاتنا وينصر مجاهدينا، إنه على كل شيء قدير.




2- أين أنت من التوبة النصوح في الأيام العشر؟
فهذه أيام يقبل الله فيها على خلقه، ويقبل التوبة ممن تاب، فهل تكون مع أولياء الرحمن المؤمنين الذين استجابوا لنداء الله {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور الآية:31]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} [التحريم الآية: 8]. ها هو الحق سبحانه ينادي على المذنب الذي يئس من رحمته {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف الآية:87]. ويقول لمن قنط من رحمة ربه {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}[الحجر الآية:57]. يقول للذي ملأت الذنوب حياته، وشغلت الشهوات أيامه، وغرق فيها غرقاً إلى أذنيه: «لَوْ أَتَيْتَنِي ‏ ‏بِقُرَابِ ‏ ‏الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ ‏ ‏بِقُرَابِهَا ‏ ‏مَغْفِرَةً». فلنبادر إلى اغتنام نفحات رحمة الله في هذه الليالي والأيام المباركة، بدءاً بالاصطلاح مع الله والتوبة الصادقة إليه، والله يتولى توفيقنا جميعاً لما يحب ويرضى.







3- أين أنت من الذكر في أيام العشر؟

 
أخرج أحمد وأبو عوانة وأبو نعيم في الحلية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». وهو حديث حسن بمجموع طرقه.

وأخرج البيهقي في الشعب نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ِمْن أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ وَلَا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِير، فإنها أيام التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ».
قال البخاري: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ". وهؤلاء الصحابة رضي الله عنهما إنما يفعلون ذلك امتثالاً لقوله تعالى {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} [الحج الآية:37]. فلنكثر من التكبير والتهليل والتحميد والذكر، وبخاصة أذكار الصباح والمساء والأحوال المختلفة، وفي أدبار الصلوات.





4- أين أنت من الصيام في أيام العشر؟

 
الصيام من أفضل الأعمال التي ندب إليها الإسلام وحض عليها، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». وأفضل ما يكون صيام النوافل في الأيام الفاضلة المباركة، وأعلاها فضلاً وأكملها أجراً هذه الأيام العشر المباركة، ومن ثَمَّ كان صيامُها من أفضل الأعمال، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في فضل الأيام العشر أورده الأئمة تحت عنوان (باب فضل صيام العشر)، وقال ابن حجر في (فتح الباري): "اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ"

وأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ". فقد قال النووي في شرح مسلم: "قَالَ الْعُلَمَاء: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة، وَالْمُرَاد بِالْعَشْرِ هُنَا: الْأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا، وَهُوَ يَوْم عَرَفَة... فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا: لَمْ يَصُمْ الْعَشْر، أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أَوْ سَفَر أَوْ غَيْرهمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الْأَمْر، وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة، وَيَوْم عَاشُورَاء، وَثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر: الِاثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظه وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَتهمَا (وَخَمِيسَيْنِ) وَاَللَّه أَعْلَم".

وزاد ابن حجر تأويلاً آخر لحديث عائشة، وهو: "احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا". ويؤيد فضيلة صيام هذه الأيام ما أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند فيه ضعف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ». قال ابن حجر: "وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي اِمْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اِجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ".






5- أين أنت من قيام الليل في أيام العشر ؟
يقول الصالحون: "دقائق الليل غالية، فلا ترخّصوها بالغفلة". وأغلى ما تكون دقائق الليل في الأيام والليالي الفاضلة، في هذه الأيام والليالي المباركة ينادي رب العزة المتأخرين ليتقدموا، والمقصرين لينشطوا، ومن فاتته الحسنات فيما مضى ليدرك نفسه ويعوض خسارته في هذه الأيام بقيام الليل، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً} [الإسراء:79]، {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً. نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل:1-4]، {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل:20]، فهل تحب أن تكون مع الطائفة التي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هل تحب أن تدخل في هذه الآية التي خُتمت بالمغفرة والرحمة؟
كلما أوغلت في الليل كان القيام بين يدي الله ألذَّ لك، حيث «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (أخرجه الشيخان)، إذا وجدت قدميك خفيفتان إلى صلاة الليل؛ فاعلم أن هذه علامة حب الله لك، إذ لولا أنه يحبك لما جعلك أهلاً لمناجاته.


أخرج ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ إِلاَّ تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ».
الله ينتظرك في شوق، ويلقاك بحب، فأين أنت؟!

يا رجال الليل جدوا *** رب داع لا يرد
لا يقوم الليل إلا *** من له عزم وجد

فليكن لنا نصيب موفور من هذا الخير في هذه الأيام المباركة.



6- أين أنت من القرآن في أيام العشر؟
القرآن كلمة الله الخالدة، ليس مجرد مجموعة من الحروف والكلمات، ولكن وراء كل حرف روحاً تحيي القلوب الميتة، وتطمئن النفوس القلقة المضطربة.

فهلموا إلى مائدة الله. أرأيتم لو أن أحد الملوك صنع مائدة، ودعا الناس إليها، ولم يمنع منها أحداً، ألا يكون المتخلف عنها عظيم الخسارة؟! الذي يُسمح له أن يجلس على موائد الملوك، ثم يأبى إلا أن يعيش بين الصعاليك، أيعدّ من العقلاء؟!
هذا ربك قد بسط لك مائدته، وأنت حين تقرأ القرآن فإنك تلتمس روحاً وتغذي قلبك إيماناً ويقيناً. إن كنت قلقاً فتحت كتاب الله فإذا به يناديك {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} [الرعد:28]، إن ضاقت بك الحال واشتد عليك الأمر ويئست من الفلاح فتحت كتاب الله فنادي عليك {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} [الروم:47]، ووجهك إلى {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف الآية:87]. إن كنت عصبيّ المزاج، لا تعرف كيف تضبط أعصابك، وفتحت القرآن، وجدته يناجيك {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} [الأعراف:199].
إن كنت مذنبا، فتحت القرآن فيناديك الحق {فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:39].


ماذا أُعدّد لك؟.
هذا القرآن ربى جيلاً لم تر الدنيا مثله، في أخلاقهم، في سموهم، في عقولهم في عطائهم. فهل نغتنم أيام النفحات المباركة لنغذي أرواحنا وقلوبنا من مائدة القرآن المباركة؟





7-
أين أنت في أيام العشر من الصدقة؟
كان الحبيب صلى الله عليه وسلم أجود الناس، ما في ذلك شك، لا يلحقه في ذلك أحد، لكنه في الأوقات الفاضلة كان يتجاوز حدود الجود المعهود عنه صلى الله عليه وسلم إلى آفاق لا يحيط بها البشر.
فأين أنت في هذه الأيام الفاضلة من سد حاجة محتاج؟ أين أنت من إطعام جائع؟ أين أنت من كسوة عار؟ أين أنت من إخوانك المسلمين المحتاجين الضعفاء؟

نحن على أبواب عيد مبارك، وقد جعل الله من شعائره ذبح الأنعام وإطعام القانع والمعتر { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36]، الفقراء ينتظرون هذا اليوم لأنهم يعرفون أن أيدي الصالحين تمتد فيه بالعطاء، والصالحون ينتظرونه لأنهم يترقون فيه درجات عالية في العطاء والسخاء.
أنت إن أعطيت لم تعط للمسكين ولا للفقير ولا للمسجد ولا للعمل الخيري، أنت تعطي لأكرم الأكرمين الذي يرد على المحسن إحسانه أضعافا. {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [الرحمن الآية: 60]، وهو لا يرد الإحسان بإحسان، بل يرد الإحسان الواحد بسبعمائة إحسان، بل بألوف وأضعاف مضاعفة.
فهل تعامل الله بالصدقة في هذه الأيام أم تستجيب لنداء الشيطان الذي يقول عنه الرحمن جل وعلا: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} [البقرة الآية:268]، والشيطان لا يملك شيئاً، ولكن الرحمن يملك كل شيء {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة من الآية:261].



8- أين أنت من تحسين الأخلاق في أيام العشر؟
لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لمكارم الأخلاق، داعياً لأحمدها وأرشدها، موصياً يحسن الخلق سائر أصحابه وأحبته، فقد أخرج مَالِك أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل قَالَ: آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: «أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». وعدَّ حسن الخُلُق تمام البر، فأخرج مسلم عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ...» (الحديث) وعبر صلى الله عليه وسلم عن الدرجة العليا والأجر العظيم لحسن الخلق،فيما أخرجه أبو داود وغيره عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ».


ولم لا وحسن الخُُلُق هو أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ِعَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ». وفي رواية الترمذي: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ».
وفي رواية أخرى للترمذي: «وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ».

وأخرج الترمذي وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ». وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيماناً، فقال فيما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
فأين أنت من التدرب على تحسين أخلاقك، وبخاصة في هذه الأيام العشر؟





9-
أين أنت من صلة الأرحام في هذه الأيام العشر؟ 
صلة الرحم من أفضل الأعمال وأعظمها أجراً، وقد قرن الله تعالى قطع الأرحام بالفساد في الأرض، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ ! قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد:22].


وفضلاً عن كون صلة الرحم محبة للأهل وسبباً في بركة الرزق والعمر وتعجيل الثواب؛ فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان بالله، فقد أخرج ابن أبي عاصم وأبو يعلى عن رجل من خثعم أنه قال: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: «إٍيمَانٌ بِاللهِ تَعَالَى». قال: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ قال: «ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ».


فاحرص أخي المسلم الكريم على اغتنام هذه الأيام المباركة لتصل رحمك وبخاصة ما انقطع منها لأي سبب، واعلم أن الوصل لا يعني أن تصل أولئك الذين يصلونك ويجاملونك، بل الوصل الحقيقي هو وصل من قطعوك أو قطعت بينك وبينهم الظروف أو الخصومات، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
فلتحرص على صلة رحمك في هذه العشر المباركة، جعلنا الله وإياكم من الواصلين.






10-
أين أنت من إعداد الأضحية؟
هذه الشعيرة الكريمة هي في أصلها تشبه بأبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين فدى الله ولده سيدنا إسماعيل من الذبح بكبش عظيم أنزله إليه فذبحه الخليل بيده؛ ليكون ذلك تصديقاً لرؤياه، وذلك في قصة الذبح المعروفة المشهورة.

وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشعيرة الكريمة وحّث عليها إعلاناً بالشكر لله على نعمه، وتوسعة ومواساة للفقراء والمساكين، وتقرباً مخلصاً لله رب العالمين، على حد قول الله تعالى {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} [الحج الآية:37].
والأضحية من أفضل القربات وأعظم الشعائر التي يمارسها المسلم في أيام العيد الأكبر، إعلاناً بشكر نعمة الله وامتثالاً لأمر الله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر الآية:2].


وقد روي في فضلها آثارٌ حِسانٌ، منها ما أخرجه ابن عبد البر والخطيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَفَقَةٍٍ بَعْدَ صِلَةِ الرَّحِمِ أَفْضَلُُ عِنْدَ اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ». وأخرج عبد الرزاق وابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا أيها الناس ضَحُّوا وطِيبوا أنْفُساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تَوَجَّهَ بِأُُضْحِيَتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِلَّا كَانَ دَمُهَا وَفَرْثُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ مُحْضَرَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي التُّرَابِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي حِرْزِ اللهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وأخرج الترمذي وحسنه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». قال الترمذي: وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: «لِصَاحِبِهَا بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ» وَيُرْوَى «بِقُرُونِهَا».

ولعله يشير إلى ما أخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم بسند ضعيف عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ:سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ، قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسَنَةٌ». فهل أعددت نفسك وميزانيتك لأداء هذه الشعيرة الكريمة على الوجه الأكمل، فاخترت أفضلَ الأضاحي وأسمنَها وأغلاها وأنفسَها، كما كان حبيبك صلى الله عليه وسلم يفعل؟

أخرج الشيخان عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (وفي رواية : أَقْرَنَيْنِ) فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ". وفي لفظ لمسلم: وَيَقُولُ: «بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ».
وعند ابن ماجه وأحمد عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ لِمَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ، وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.


وكذا روى أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ » ثُمَّ ذَبَحَ.
أسأل الله العظيم أن يتقبل نسكنا وأن يغفر ذنوبنا إنه جواد كريم.

عبد الرحمن البر

منقول 
طريق الإسلام