الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ



 بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
من شرح كتاب الرقاق من صحيح الإمام البخاري



وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى}أَيَحْسِبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ {قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا.
(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ  بَل لَّا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ  وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) ) .


قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه

6081 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ .


الشرح


قَوْلُهُ (بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ قَلِيلَ الْمَالِ أَوْ كَثِيرَهُ وَالْغِنَى . قَوْلُهُ وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - هُمْ لَهَا عَامِلُونَ وَهَذِهِ رَأْسُ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْآيَةِ الْمُبْدَأِ بِهَا هُنَا وَالْآيَاتُ الَّتِي بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الْأَخِيرَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا اعْتَرَضَتْ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا لَلْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ نَمُدُّهُمْ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا وَالْمَعْنَى أَيَظُنُّونَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي نَرْزُقُهُمْ إِيَّاهُ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا ؟ إِنْ ظَنُّوا ذَلِكَ أَخْطَئُوا بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى – (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)  وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا أَيْ مِنَ الِاسْتِدْرَاجِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الْأَعْمَالَ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ بِقَوْلِهِ لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمُوهَا وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا الْمَعْنَى كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ سَيِّئَةٌ لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ لِتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ثُمَّ مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلْحَدِيثِ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْمَالِ لَيْسَتْ لِذَاتِهِ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى خَيْرًا فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَيْسَ غَنِيًّا لِذَاتِهِ بَلْ بِحَسَبِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ غَنِيًّا لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي صَرْفِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ فَقِيرًا أَمْسَكَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ خَشْيَةً مِنْ نَفَادِهِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَقِيرٌ صُورَةً وَمَعْنًى وَإِنْ كَانَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ لِكَوْنِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْأُخْرَى بَلْ رُبَّمَا كَانَ وَبَالًا عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّةٌ وَأَمَّا الْعَرَضُ فَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْجَوْهَرَ وَعَلَى كُلُّ مَا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُونِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ قَالَ اتَّصَلَ بِي عَنْ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ الْقَيْرَوَانِ أَنَّهُ قَالَ الْعَرَضُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ الْوَاحِدُ مِنَ الْعُرُوضُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا قَالَ وَهُوَ خَطَأٌ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنَّهُ مَا يَعْرِضُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ أَحَدَ الْعُرُوضِ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا بَلْ وَاحِدُهَا عَرْضٌ بِالْإِسْكَانِ وَهُوَ مَا سِوَى النَّقْدَيْنِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَهَكَذَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا قَالَ - تَعَالَى - : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَقَالَ : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ .
قَوْلُهُ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا " إِنَّمَا الْغِنَى فِي النَّفْسِ " وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى ؟ قُلْتُ نَعَمْ . قَالَ وَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرَ ؟ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ (1) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْغِنَى كَثْرَةَ الْمَالِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ ، فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَّتْ عَنِ الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ لِحِرْصِهِ فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْصِ وَالطَّلَبِ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِغِنَى النَّفْسِ حُصُولُ الْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْقَائِلُ (  وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ     مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ )
أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ أَوْقَاتَهُ فِي الْغِنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْكَمَالَاتِ لَا فِي جَمْعِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إِلَّا فَقْرًا انْتَهَى وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ غِنَى النَّفْسِ بِغِنَى الْقَلْبِ بِأَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى رَبِّهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ فَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ فَيَرْضَى بِقَضَائِهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى نَعْمَائِهِ وَيَفْزَعُ إِلَيْهِ فِي كَشْفِ ضَرَّائِهِ فَيَنْشَأُ عَنِ افْتِقَارِ الْقَلْبِ لِرَبِّهِ غِنَى نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَبِهِ - تَعَالَى - وَالْغِنَى الْوَارِدُ فِي قَوْلِهِ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى يَتَنَزَّلُ عَلَى غِنَى النَّفْسِ فَإِنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَلَا يَخْفَى مَا كَانَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْهِ خَيْبَرُ وَغَيْرُهَا مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ


 
 
شرح الشيخ بن عثيمين صـــ38

قوله: { وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }وأتى بـ (يُؤْمِنُونَ ) لأن هذه الآيات تتجدد فالذين في وقت نزول القرآن تتنزل عليهم الآيات يوماً فيوماً كلما نزلت آية ازدادوا إيماناً { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا  فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }التوبة. وكذلك الآيات الكونية تتجدد فكلما جاءت آية مطابقة لما أخبر الله ورسوله زادت المؤمن إيماناً ولهذا قال: { بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } ولم يقل: مؤمنون كما قال: مشفقون ، والإيمان يتكرر فكلما أتتهم آية كلما ازدادوا إيماناً قوله: { وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ }...
أتى بالجملة الفعلية ولم يقل غير مشركين ، وذلك لأنهم لا يشركون في أي فعل يفعلونه لله ، فلا رياء عندهم ولا سمعة ولا يريدون الدنيا بعملهم إنما يريدون الله سبحانه.
قوله: { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ  وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وهذا الكتاب ما كتبته الملائكة من أعمال البني آدم ، فهو ينطق بالحق يوم القيامة ويقال للإنسان: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا }الإسراء .
قال الحسن: لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك ، فأنت حاسب على نفسك لا تطلب محاسب ، وستجد أن الأمر كما كُتب.
قوله: { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } وهذا كقوله في بداية الآيات { بَل لَّا يَشْعُرُونَ } وهنا قال: { فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا } أي قد حل بها ما غمرها ولم يتفطنوا لها.
{ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } هي أعمال الدنيا ، لذا قال: { مِّن دُونِ ذَٰلِكَ } إشارة لانحطاط رتبتها ، ثم قال: { هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } جملة إسمية ، أي متقنون لها ، وقدم المفعول { لَهَا عَامِلُونَ } للدلالة على أنهم قد حصروا أنفسهم وعقولهم في هذه الأعمال الدنيوية.
قوله: قال ابن عُيينة: لم يعملوها لا بد من أن يعملوها. أي هم ما عملوها بعد ، لكن لا بد أن يعملوها ، أي أنهم مصرون عل عملها.


الحديث الأول


عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ).
فالغنى ليس بكثرة المال ، لكنه غنى النفس ن وغنى القلب ، فكم من إنسان عنده ملايين الملايين ، ومع ذلك يعمل عمل الفقير من شدة حرصه على المال وطلبه له ، وكم إنسان عنده دون ذلك بكثير تجده لا يهتم وتجده كريماً يُعطِي أكثر مما يعطي صاحب الأموال الكثيرة.
س: كيف نجمع بين كونهم في الآية يخشون القبول وبين الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي ) ؟
ج: أشرنا للجمع بينهما ، وذلك بحسن ظن العبد بربه وليس فيه سوء ظن بالله لكنه اتهام لأنفسهم بالتقصير ، فالمطلوب من الإنسان أن يحسن الظن بالله باعتبار قبوله لكن يخشى أنه مقصر ، أو عنده رياء ، أو عنده ابتداع ، فالإنسان لا يدري ن فلا يقل أحدهم أنا عملت فلا بد أن يقبل مني ، كما قال البدوي وهو يسعى: يا رب إن لم تغفر لي فلا بد أن تغفر ، فهذا لا يقال ، بل يتهم نفسه ، ويحسن الظن بالله ، فيقول مثلاً: أرجو أن يقبل الله مني ، وهذا إبراهيم عليه السلام وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويقولان { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }.
س: هل للإنسان أن يدعو ويلح اللهم إن لم تغفر لي فاغفر لي ؟
ج: ما ينبغي هذا بل يعزم المسألة ، أو يقول كما قال الصالحون { لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } الأعراف .


 (1) يا أبا ذَرٍّ ! أتَرَى كَثْرةَ المالِ هو الغِنَى ؟ قلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : فَتَرَى قِلَّةَ المالِ هو الفقرَ ؟ قُلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : إنَّما الغِنَى غِنَى القلبِ ، والفَقْرُ فَقْرُ القلبِ ثُمَّ سأَلَنِي عن رجلٍ من قُريْشٍ قال : هل تَعرِفُ فلانًا ؟ قُلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : فكيفَ تَراهُ – أو تُراهُ ؟ قُلتُ : إذا سَألَ أُعطِىَ ، وإذا حَضَرَ أُدْخِلَ قال : ثُمَّ سَأَلَنِي عن رجلٍ من أهلِ الصُّفَّةِ ، فقال : هل تعرِفُ فلانًا ؟ ( قُلتُ : لا واللهِ ما أعرِفُهُ يا رسولَ اللهِ ! فما زالَ يُحَلِّيهِ ويَنْعتُه حتى عرفتُه فقلتُ : قد عرفتُه يا رسولَ اللهِ ! قال : فكيفَ تَراهُ – أو تُراهُ ؟ قُلتُ : هو رجلٌ مِسكينٌ من أهلِ الصُّفَّةِ قال : فهُو خيرٌ من طِلاعِ الأرضِ من الآخَرِ. قُلتُ : يا رسولَ اللهِ ! أفَلا يُعطَى من بعضِ ما يُعطَى الآخَرُ ؟ فقال : إذا أُعطِيَ خيرًا فهُو أهلُه ، وإذا صُرِفَ عنهُ فقدْ أُعطِيَ حَسنةً
الراوي : أبو ذر الغفاري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب
الصفحة أو الرقم: 3203 | خلاصة حكم المحدث : صحيح


السبت، 3 سبتمبر 2016

اذْكُر لِـتُذْكَـر

اذْكُر لِـتُذْكَـر
 للشيخ /  عبد الرحمن بن عبد الله السحيم .

 
ذِكْر الإنسَان يَرْفَع ذِكْرَه
مَن ذَكَر الله في ملأ .. ذَكَره الله في ملأ خير منهم ..
يُذكَر ابن آدم باسْمِه في ملأ الملائكة ..
ومَن الذي يَذْكُره ؟
إنه رب العالمين .. وإله الأولين والآخِرين .. الذي بِيَدِه الـنَّفْع والضُّرّ .. وله مَقاليد الأمور ..
يقول رب العزّة سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :
أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يَذْكُرني ؛ إن ذَكَرَني في نَفسه ذَكَرْته في نفسي ، وإن ذَكَرَني في ملأ ذَكَرْته في ملأ هُم خَيْر مِنهم . رواه البخاري ومسلم .

قال الربيعُ بنُ أنس : إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ ، وزائدٌ مَنْ شكره ، ومعذِّبٌ مَن كَفَرَه .
قال ابن رجب : قال الله تعالى : (فَاذْكُرُوْنِي أَذْكُرْكُم) وذِكْر الله لِعَبْدِه : هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومُبَاهاتهم به ، وتَنْويهه بِذِكْرِه . اهـ .

وأوصَى الألبيري ابنه فَكَان مما قال :
وَأَكْثِرْ ذِكْرَهُ فِي الأَرْضِ دَأْباً = لِتُذْكَرَ فِي السَّمَاءِ إِذَا ذَكَرْتَا

إن ذِكْر الله تعالى أفضل الأعمال ، وارفعها في الدَّرَجات ، وأفضل مِن إنفاق الذهب والفضة ..
سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوما أصحابه : أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه . وصححه الألباني والأرنؤوط .
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا عَمِلَ امْرُؤٌ بِعَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ .

وتنافس أغنياء الصحابة وفقراؤهم على الذِّكر ، وتسابقوا فيه ..
فقد أتَى فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ .
قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟
قَالُوا : يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي , وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ , وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ , وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ , إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟
قَالُوا : بَلَى , يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً .
قَالَ أَبُو صَالِحٍ – أحد رواته - : فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ , فَقَالُوا : سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا , فَفَعَلُوا مِثْلَهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . رواه البخاري ومسلم .

قال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ : " لا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الأَذْكَارِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمَالِ ، وَعَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ لِلأَغْنِيَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ لا يَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْفُقَرَاءُ . اهـ .

وقال ابن رجب : فَكَان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء ، ويَحْزَنُون على التخلُّف عن الخروجِ في الجهاد ؛ لِعَدَم القُدْرَة على آلَتِه . اهـ .

وينبغي أن يُعْلَم أن ذِكْر الله على ثلاث مراتب :

المرتبة الأولى : ذِكْره عند أمْرِه ونَهْيِه ، امتثالا لأوامره ، وأداء لِفرائضه .
قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)
وقوله عَزّ وَجَلّ : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)
قال مجاهد : أقِم الصلاة لِتَذْكُرني فيها .
قال القرطبي في تفسيره : اخْتُلِف في تأويل قوله : (لِذِكْرِي) ؛ فقيل : يُحْتَمل أن يُريد : لِتَذْكُرني فيها ، أو يُريد : لأذْكُرَك بِالْمَدْح في عليين بها .

المرتبة الثانية : ذِكْر الله عند نواهيه ، فيَحْمِل على الكفّ عن الفواحش ، والانتهاء عن المعاصي ، حياء مِن الله ، وإجلالاً له تبارك وتعالى .

ومِنه قوله عَزّ وَجَلّ : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)
وفي قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار ، أن أحدهم توسَّل إلى الله بِتركه للحَرام واستعفافه عنه بعد أن قَدَر عليه .
ففي الحديث أنه قال : اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إليّ ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألَمَّتْ بها سَنة مِن السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت ، حتى إذا قَدرت عليها قالت : لا أُحِلّ لك أن تفض الخاتم إلاّ بِحَقِّه ، فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ ، وتركت الذهب الذي أعطيتها . اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ... الحديث . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : فلما وَقَعت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلاَّ بِحَقِّه ، فَقُمْت عنها ، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ، ففُرِج لهم .

قال عمر رضي الله عنه : أفضل مِن ذِكْر الله باللسان ذِكْر الله عند أمْره ونَهْيِه .

ودَخَل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على سلمان يعوده ، فقال : يا أبا عبد الله اعْهَد إلينا بِعَهْد نأخذ به بعدك . قال : فقال : يا سعد اذْكُر الله عند هَمِّك إذا هَمَمْت ، وعند يَدك إذا قَسَمْت ، وعند حُكْمك إذا حَكَمْت .

المرتبة الثالثة : ذِكْر الله تعالى بالقلب واللسان ، وهو على مراتب :
الأولى : أن يكون انبعاث الذِّكْر مِن القلب تعظيما وحُبّا وحَمْدًا لله عَزّ وَجَلّ ثم يتبعه اللسان .
فهذه أفضل المراتب .
الثانية : أن يكون الذِّكْر باللسان ثم يتبعه القلب ، إذا تفكَّر في معاني الأذكار .
الثالثة : - وهي أضعف المراتب – وهي ذِكْر الله باللسان وحده ، وهذه يُؤجَر عليها صاحبها ، لقوله تعالى في الحديث القدسي : أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ . رواه الإمام أحمد ابن ماجه وابن حبان ، ورواه البخاري تعليقا . وصححه الألباني والأرنؤوط .

فَدُونك هذه العبادة التي لا تحتاج إلى جُهد ، ولا إلى مكان مُعين .. بل تَذكُر الله بلسانك وبِقَلبِك حيثما كُنت ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغِّب أصحابه بالذِّكْر .. فكان مما قاله عليه الصلاة والسلام : لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً .

وقال عليه الصلاة والسلام : خُذُوا جُنَّتَكُمْ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَمِنْ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ ؟
قَالَ : لاَ ، وَلَكِنْ جُنَّتُكُمْ مِنَ النَّارِ ؛ قَوْلُ : سُبْحَانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ . رواه النسائي في الكبرى والطبراني والحاكم ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه . وصححه الألباني .

وقال عليه الصلاة والسلام : لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ . رواه مسلم .

وإن أردت فوائد الذِّكْر ، فعليك بـ " الوابل الصيب " لابن القيم ، فقد ذَكَر أكثر مِن مائة فائدة لِذِكْر الله تعالى 




منقول  .....صيد الفوائد 

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

الحديث (المعلق)




الحديث (المعلق)

هو ما حذف أول سنده، سواء أكان المحذوف واحداً أم أكثر على التوالي، ولو إلى آخر السند، كقول الشافعي: قال نافع، أو قال ابن عمر، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم. وأول من أطلق هذا الاصطلاح هو الحافظ الدارقطني، ثم اشتهر على لسان المحدثين، ويقع هذا كثيراً عندهم، فهم يحذفون السند أحياناً ويقصدون به الاختصار، أو يذكرون حديثاً تقوية للاستدلال على موضع الباب، وهو قد لا يكون على شرط المصنف، قال الحافظ ابن حجر: والمراد بالتعليق ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، ولو إلى آخر الإسناد، وتارة يجزم به كـ (قال)، وتارة لا يجزم به كـ (يذكر).
وسمي (المعلق) بهذا الاسم؛ كأنه مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق؛ لاشتراكهما في قطع الاتصال، ولم يستعملوه فيما سقط وسط سنده، أو آخره لتسميتهما بالمنقطع والمرسل، ولا في غير صيغة الجزم مثل: يروى عن فلان، ويذكر عنه، وشبه ذلك، وقد أورده البخاري كثيراً في "صحيحه"، وليس بخارج من قبيل الصحيح -بمعنى ليس على شرط الصحيح عنده- وإن كان على صورة المنقطع فقد يفعل البخاري ذلك؛ لكون الحديث معروفاً من جهة الثقات عمن علقه عنه، أو لكونه ذكره متصلاً في موضع آخر من كتابه، أو لسبب آخر لا يصحبه خلل الانقطاع، وهذا فيما يورده أصلاً أو مقصوداً لا في معرض الاستشهاد؛ لأن الشواهد يحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلقاً كان الشاهد، أو موصولاً.

ومن صور التعليق أن يحذف جميع الإسناد، فيقال مثلاً: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). ومنها أن يحذف جميع الإسناد إلا الصحابي، أو التابعي، ومنها أن يحذف المصنف شيخه الذي حدثه، ويضيف الحديث إلى من فوقه، قال الحافظ ابن حجر: "فإن كان من فوقه شيخاً لذلك المصنف، فقد اختلف فيه: هل يسمى تعليقاً أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل، فإن عُرف بالنص، أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس، قضى به، وإلا فتعليق".
أقسام المعلقات في "صحيح البخاري"
- منها ما يوجد موصولاً في موضع آخر، وإنما يورده معلقاً حيث يضيق مخرج الحديث، -أي ليس له طرق أخرى صحيحة متصلة عنده- فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام؛ فإنه يكرره مختصراً في الإسناد خشية التطويل.
- ومنها ما لا يوجد فيه إلا معلقاً، وهو على صورتين: إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض؛ فالصيغة الأولى يُستفاد منها الصحة إلى من علّق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه، ومنه ما لا يلتحق، وانظر تتمة هذا الكلام في مقدمة "فتح الباري" للحافظ ابن حجر، وهو كلام طويل يصعب حصره.
كما نعلم فإن من عادة الإمام البخاري أن يكرر الأحاديث ويقطعها، ولكنه لا يكررها إلا لفائدة، وقد تكون الفائدة إسنادية أو متنية، أو يكون الحديث عن صحابي فيعيده عن صحابي آخر، أو أن يسوقه بالعنعنة ثم يعيده بالتصريح بالسماع. قال الحافظ ابن حجر: "اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج طريق واحدة، فيتصرف حينئذ فيه، فيورده في موضع موصولاً، وفي موضع معلقاً، ويورده تارة تاماً، وتارة مقتصراً على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة، لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها...فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة، وهلم جرا إلى مشايخه، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار، وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة".

أسباب وجود المعلقات
أورد الإمام البخاري الأحاديث المعلقة إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه، فاستغنى عن إيراده هنا مستوفى السياق، ولم يهمله، بل أورده بصيغة التعليق طلباً للاختصار، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعاً، أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرة، فما رأى أن يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه.
حكم الحديث المعلق
الأصل في الحديث المعلق أنه مردود، وذلك لجهالة المحذوف فيه، إلا إن التزم مصنفه الصحة في كتابه، كما هو الحال في "صحيح البخاري"، فالجمهور على أن ما أتى فيه البخاري بصيغة الجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف ذلك لغرض من الأغراض المتقدمة، وما أتى فيه بصيغة غير جازمة ففيه مقال؛ فقد يعلق البخاري حديثاً بصيغة الجزم، وهو ما يذكره في موضع آخر مسنداً، وقد لا يذكره أبداً، وهو على شرطه، وقد يعلق بالجزم، وهو ليس على شرطه، ولكنه صحيح عند غيره، وقد يعلق بالجزم إلا أنه يضعف بسبب الانقطاع فيه، ومن المعلق بصيغة التمريض ما قد يصح إسناده، ولا يكون على شرطه، فتجده عند مسلم أو أصحاب السنن، ومن المعلق بصيغة التمريض ما قد يكون حسناً، وقد يكون ضعيفاً منجبراً بأمر آخر، وقد يكون ضعيفاً ولا يرتقي ولا ينجبر.
أمثلة على المعلقات التي أوردها البخاري بصيغة الجزم
قال البخاري في كتاب الوكالة:قالعثمان بن الهيثم: حدثنا عوف، حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة رمضان..الحديث بطوله، وأورده في مواضع أخرى، ولم يقل في موضع منها: حدثنا عثمان، فالظاهر أنه لم يسمعه منه، وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة: قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم.
مثال آخر: قال في كتاب الطهارة:وقالت عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) وهو حديث صحيح على شرط مسلم. مثال آخر: وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) وهو حديث حسن مشهور عن بهز؛ أخرجه أصحاب السنن.
المعلقات التي أوردها البخاري بصيغة التمريض
ما أورده الإمام البخاري من المعلقات التي على صيغة التمريض هي أحاديث لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لأنها ليست على شرط الصحيح، ولذلك لا يؤخذ حكم الصحة للحديث من هذا الموضع، فإن بعض هذه الأحاديث ما هو صحيح، وبعضها ليس كذلك. فالأحاديث التي على صيغة التمريض لا يستفاد منها الصحة، إنما تعرف صحتها من مواضع أخرى في صحيحه، وهناك أحاديث أوردها الإمام البخاري معلقة، وحكم عليها العلماء بالضعف، بسبب الانقطاع، لكنه منجبر بأمر آخر، وقد وصل هذه المعلقات الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" وكذلك فعل غيره من العلماء، وبينوا القسم الصحيح منها، والقسم الذي فيه انقطاع. ومن الأمثلة على الأحاديث التي أوردها بصيغة التمريض قوله في كتاب الزكاة: وقال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس. فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوساً لم يسمع من معاذ. ومن الأمثلة كذلك ما ذكره في كتاب الطب، قال: (ويُذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرقى بفاتحة الكتاب) فإنه أسنده في موضع آخر. وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة، فمنه ما هو صحيح، إلا أنه ليس على شرطه، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف.
فما جاء بصيغة التمريض عند البخاري فهو مشعر بضعفه عنده إلى من علقه عنه، لكن ربما كان ذلك الضعف خفيفاً حتى ربما صححه غيره، إما لعدم اطلاعه على علته، أو لأن تلك العلة لا تعد عند هذا المصحح قادحة، وهذا حكم جميع ما في الكتاب من التعاليق، إلا إذا ما علقه عن شيوخه الذين سمع منهم، فقد ذكر ابن الصلاح أن حكم (قال) حكم (عن) وأن ذلك محمول على الاتصال، ثم اختلف كلامه في موضع آخر، فمثل التعاليق التي في البخاري بأمثلة، ذكر منها شيوخ البخاري كالقعنبي، والمختار أن حكمه مثل غيره من التعاليق، فإنه وإن قلنا: يفيد الصحة لجزمه به، فقد يحتمل أنه لم يسمعه من شيخه الذي علّق عنه بدليل أنه علق عدة أحاديث عن شيوخه الذين سمع منهم، ثم أسندها في موضع آخر من كتابه بواسطة بينه وبين من علّق عنه.
فالقول: إن جميع ما في "صحيح البخاري" صحيح، المقصود به هو المرفوعات، أما الموقوفات فإنه يجزم بصحته ما صح عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبراً؛ إما بمجيئه من وجه آخر، وإما بشهرته عمن قاله. وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من الآيات؛ بغرض الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها خلاف بين الأئمة.
وقد أفرد الحافظ ابن حجر كتاباً في التعاليق التي تضمنها "صحيح البخاري" سماه (تغليق التعليق) ذكر فيه جميع أحاديثه المرفوعة وآثاره الموقوفة، وذكر من وصلها بأسانيده إلى المكان المعلق، فجاء كتاباً حافلاً وجامعاً، لم يفرده أحد بالتصنيف. وقد خُطئ ابن حزم الظاهري في رده حديث أبي مالك الأشعري في المعازف؛ لقول البخاري فيه: قال هشام بن عمار: وساق السند، وزعم ابن حزم أنه منقطع بين البخاري وهشام، والحديث معروف الاتصال بشرط الصحيح.

الخميس، 4 أغسطس 2016

من فوائد غض البصر



من فوائد غض البصر


"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ "النور30
"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ....."النور31

ذكر ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان (1/47)ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر في غضِّ البصر:

إحداها: حلاوةُ الإيمان ولذتُه، التي هي أحلى وأطيب وألذُّ مما صرف بصرَه عنه وتركَه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوَّضه الله عز وجل خيرًا منه، والنفس مولَعة بحبِّ النظر إلى الصُّور الجميلةِ، والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسنِ المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ما يَتعب ويُتعب رسولَه ورائده كما قيل:
وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لِقلبكَ يَوْماً أتْعَبَتْكَ المنَاظِرُ
رَأَيْتَ الَّذِى لا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيْه وَلا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابرُ
الفائدة الثانية : نور القلب وصحة الفراسة.
الفائدة الثالثة: قوُّة القلب وثباتُه وشجاعتُه، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه .اهـ المراد.
وهذه نصيحة ذهبية للرجال والنساء في الحث على غضِّ البصر والحرص على سلامته .
وهذا عام سواء كان النظر في صورة أو غير صورة وقد عمَّت البلوى وانتشر وسائل نظر الرجال إلى النساء والنساء إلى الرجال وانفتاح ذلك حتى إن النساء تنظر إلى صورة الذي يحاضر على الشاشة وكأنه عندهن .
وهذا مخالف لقول الله تعالى"قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهْمِ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أزْكَى لَهُمْ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يصْنَعُونَ" [النور: 30].وبعدها قال "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ"الآية.
فاحفظ بصرك فإنه نعمة من الله قال الله تعالى ممتنًّا على عباده "أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ".
ولا يكون الميزان حال الأكثرية من الناس فقد قال تعالى "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".
الميزان هو الدليل قال تعالى " اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ".

•—•أم عبدالله بنت الشيخ مقبل الوادعي•—•
•—* حفظها الله تعالى *—•


منقول

فتن كقطع الليل المظلم



 فتن كقطع الليل المظلم

 
قال العلامة عبدالكريم الخضير :-

المخرج من الفتن، وجدت الفتن،والآن تموج من حولنا، والناس يتخطفون من حولنا، ونحن نعيش في أمن ورخاء ورغد ولله الحمد والمنة، نسأل الله -جل وعلا- أن يديم هذا بتوفيقنا لرضاه.

المخرج: الاعتصام بكتاب الله -جل وعلا- والعمل بسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاء في الحديث: ((تكون فتن)) قيل: يا رسول الله فما المخرج منها: قال: ((كتاب الله)) فعلى المسلم الذي يحسن القراءة أن يكون ديدنه تلاوة كتاب الله، قراءة القرآن، في كل وقت، هذا فيه مخرج من الفتن، وفيه أيضاً بكل حرف عشر حسنات، يعني تجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أسبوع وتختم القرآن، ساعة، تختم القرآن في أسبوع، ثلاثة ملايين حسنة، ومع ذلك العصمة في كتاب الله، فمن يفرط في مثل هذا؟ ما يفرط إلا محروم، نسأل الله السلامة والعافية، يعني في وقت قصير ولا يعوقك عن تحصيل أي مصلحة، لا دين ولا دنيا، ومع ذلك تجد الذين يجلسون انتظاراً لارتفاع الشمس قلة، ونراهم في بلادنا، بلاد الخير والفضل، أقل من القليل، بل كثير من المساجد ما يجلس أحد، ما يجلس أحد، ذهبنا إلى بعض المناطق، مناطق المملكة التي في عرف كثير من الناس محل ازدراء، ليست محل، يعني ما هي بمحل التزام واستقامة، وفيها طوائف مبتدعة، وفيها اختلاط وكذا، وجلس بعد صلاة الصبح صفان إلى أن ارتفعت الشمس، ومظاهرهم ليست من مظاهر الاستقامة والالتزام، فالزهد في مثل هذه الأمور التي جاء الحث عليها لا شك أنه خذلان، يعني ما الذي يمنع أن يجلس طلاب العلم، يجلس عامة المسلمين، كبار السن، خيار الناس، بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس لمدة ساعة، ويقرأ القرآن، أسبوع ثلاثة ملايين حسنة، ويعصم من الشيطان، يعصم من الدجال، الإنسان في، غني عن العصمة من الفتن؟


المخرج في كتاب الله، العمل بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ((عليكم بسنتي))، والذي لا يعمل بالسنة لا بد وأن يبتلى ببدعة، لا بد أن يبتلى ببدعة، عليه أيضاً أن يلزم العبادة، في أوقات الفتن ففيها مخرج، وفي الحديث الصحيح: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي))، ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) فعلى الإنسان أن يلزم هذه العبادة.

                  المصدر : فتن كقطع الليل المظلم 
 

قناة فوائد د. عبدالكريم الخضير
http://goo.gl/TvWSkm

مشروع المصحف الإلكتروني



مشروع المصحف الإلكتروني 
جامعة الملك سعود

المشروع هو محاكاة الكترونية للمصحف الشريف - متوفر بسبع عشرة لغة - مع هامش لترجمة معاني القرآن الكريم لأكثر من عشرين لغة , وترجمة صوتية للغتين , وسبعة تفاسير , وتلاوات للقرآن الكريم بصوت العديد من مشاهير القراء مع إمكانية التكرار لتيسير الحفظ على الأطفال والمكفوفين خاصة.
 
 
رابط موقع المصحف الإلكتروني
 
 
 
 

الأحد، 31 يوليو 2016

صفة مسح الرأس في الوضوء



صفة مسح الرأس في الوضوء

 

أولاً : 

كيفية الغسل أو المسح في الوضوء ليست واجبة ، فالواجب هو حصول الغسل بالنسبة للأعضاء المغسولة ، وحصول المسح للأعضاء الممسوحة ، بأي كيفية كانت ، لكن لا شك أن اتباع الصفة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل .

انظر : "المغني" (1/171) .

ثانياً : 

ورد مسح الرأس في الوضوء على صفتين : 

الأولى : 

أن يضع يديه بعد بلهما بالماء على مقدم الرأس ثم يمسح رأسه حتى قفاه ، ثم يعود بيديه إلى مقدم رأسه .
وقد ذكر النووي رحمه الله في "شرح مسلم" اتفاق العلماء على استحباب هذه الكيفية .
وقد ثبت ذلك في عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
روى البخاري (185) ومسلم (235) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه أنه وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ( . . ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ) .
وروى أبو داود (124) أَنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ . صححه الألباني في صحيح أبي داود .
وروى أبو داود (122) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ . صححه الألباني في صحيح أبي داود .
وهذه الصفة تناسب من كان شعره قصيراً ، لا ينتفش بعود يديه إلى مقدم رأسه .

الصفة الثانية : 

يمسح جميع رأسه ، ولكن باتجاه الشعر ، بحيث لا يغير الشعر عن هيئته .
وهذه الصفة تناسب من كان شعره طويلاً – رجلاً كان أو امرأة- بحيث يخشى انتفاشه بعود يديه .
روى أحمد (26484) وأبو داود (128) عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا ، فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ ، كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ ، لا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ . حسنه الألباني في صحيح أبي داود .

( مِنْ قَرْن الشَّعْر ) :
المراد بقرن الشعر هنا أعلى الرأس ، أي : يَبْتَدِئ الْمَسْح مِنْ الأَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ .
( كُلّ نَاحِيَة ) : أَيْ فِي كُلّ نَاحِيَة بِحَيْثُ يَسْتَوْعِب مَسْح جَمِيع الرَّأْس عَرْضًا وَطُولا .
( لِمُنْصَبِّ الشَّعْر ) : الْمَكَان الَّذِي يَنْحَدِر إِلَيْهِ وَهُوَ أَسْفَلَ الرَّأْس .
قَالَ الْعِرَاقِيّ : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئ الْمَسْح بِأَعْلَى الرَّأْس إِلَى أَنْ يَنْتَهِي بِأَسْفَلِهِ يَفْعَل ذَلِكَ فِي كُلّ نَاحِيَة عَلَى حِدَتهَا . اِنْتَهَى .
( لا يُحَرِّك الشَّعْر عَنْ هَيْئَته ) : الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا .
قَالَ اِبْن رَسْلَان : وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّة مَخْصُوصَة بِمَنْ لَهُ شَعْر طَوِيل , إِذْ لَوْ رَدَّ يَده عَلَيْهِ لِيَصِل الْمَاء إِلَى أُصُوله يَنْتَفِش وَيَتَضَرَّر صَاحِبه بِانْتِفَاشِهِ وَانْتِشَار بَعْضه .
وَرُوِيَ عَنْ الإمام أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ تَمْسَح الْمَرْأَة وَمَنْ لَهُ شَعْر طَوِيل كَشَعْرِهَا ؟ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ مَسَحَ كَمَا رُوِيَ عَنْ الرُّبَيِّع ، وَذَكَرَ الْحَدِيث ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا ، وَوَضَعَ يَده عَلَى وَسَط رَأْسه ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُقَدَّمه ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ بَدَأَ مِنْهُ (يعني وضعها على وسط رأسه) ثُمَّ جَرّهَا إِلَى مُؤَخَّره .

ويحتمل أن يكون المراد بالقرن هنا مُقَدَّم الرَّأْس , أَيْ : اِبْتَدَأَ الْمَسْح مِنْ مُقَدَّم رَأْسه مُسْتَوْعِبًا جَمِيع جَوَانِبه إِلَى مُنْصَبّ شَعْره وَهُوَ مُؤَخَّر رَأْسه ، أي مسح رأسه مرة واحدة من مقدمه إلى مؤخره ، ولا يعود بيديه مرة أخرى ، لأنه بذلك لا يحرك الشَّعْر عَنْ هَيْئَته ، وَقَدْ قَالَت الرُّبَيِّعِ رضي الله عنها : لا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ .

انظر : "عون المعبود شرح سنن أبي داود" ، "نيل الأوطار" (1/189) ، "المغني" (1/178) .

والحاصل أن هذه الصفة يفعلها من يخشى انتفاش شعره ، فيمسح شعره إلى الجهة التي ينحدر إليها حتى لا يتغير عن هيئته .

والله تعالى أعلم .

 

المصدر 

الإسلام سؤال وجواب