السبت، 20 أغسطس 2011

ليلة القــــــدر


ليلة القدر

الشيخ: عبد الكريم الخضير


ليلة القدر ليلة عظيمة، خير من ألف شهر، اختلف فيها أهل العلم على نحو من خمسين قولاً، استوفاها ابن حجر في فتح الباري.
وهي ليلة من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وبعض الروايات: ((وما تأخر)) وهي خير من ألف شهر، كما في القرآن، ومن حرمها حرم الخير كله.
وهي الراجح عند أهل العلم أنها في رمضان، وأنها في الشعر الأواخر، وأوتار العشر الأواخر آكد من أشفاعه، أوتار العشر الأواخر آكد من الأشفاع، كما جاء بذلك الخبر، في العشر الأواخر من رمضان، والخلاف بين أهل العلم في أرجح الليالي، ولكل قول دليله من صحيح السنة، ومن أقوال سلف الأمة، ولذا ليلة واحد وعشرين فيها دليل في الصحيح، ليلة ثلاثة وعشرين قول جمع من أهل العلم، ليلة خمسة وعشرين، ليلة سبع قول الأكثر من الصحابة والتابعين، ولذا يرى جمع من المحققين أنها ليست في ليلة بعينها بحيث تتكرر كل سنة ليلة سبع وعشرين، بل هي متنقلة في أوتار العشر، ليلة القدر متنقلة، ممكن هذه السنة هذه في واحد وعشرين، كما جاء في الحديث الصحيح في الصحيحين ((رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين)) وهي ليلة واحد و عشرين، ورؤيا النبي وحي، وجاء أدلة استوعبها واستوفاها مع من قال بها من أهل العلم الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
ومع ذلكم خرج النبي -عليه الصلاة والسلام- ليخبرهم عن ليلة القدر فتلاحا رجلان من المسلمين فرفعت، يعني رفع تعيينها ما رفع وجودها عن الأمة، لا هي موجودة؛ لكن رفع تعيينها، وهذا من شؤم التلاحي.
وأيضاً هناك حكمة في رفع تعيينها لكي يجتهد المسلم، ويطلب الخير من أبواب، لا من باب واحد، فلم تعين لكي يزداد اجتهاد المسلم، ويعظم أجره في طلبها، كإخفاء ساعة الجمعة مثلاً، لكي يجتهد المسلم فيبحث عنها ويكثر من صدق اللجأ إلى الله -جل وعلا-، والانكسار بين يديه، لعله أن يصادفها.
وهل يحس بها أو هل يمكن يحس بها الإنسان أو لا يحس؟ هل يمكن أن يقوم العشر ولا يدري أيها ليلة القدر؟ ممكن، ويحصل له أجرها، ولو لم يحط بها عند جمهور أهل العلم، وإن قال بعضهم: أنه قد يحس بها، وإذا لم يحس بها فإنه لا يدركها ولحديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبما أدعي؟ قال: ((قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) هذا دليل على أنها يحس بها لا سيما بالنسبة للقلوب الواعية الحاضرة السليمة يدركونها، وهي ليلة طلقة بلجة راكدة، لا قارة ولا حارة، والله المستعان، لا يرمى فيها بشهاب، وغير ذلك من العلامات التي جاءت بها الأخبار

الخميس، 18 أغسطس 2011

تواضع السلف وخوفهم من ربهم.




تواضع السلف وخوفهم من ربهم

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وأشهَد أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله.

وبعد:

فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ[المؤمنون: 57 - 61].

روى التِّرْمذي في سُنَنه من حديث عائشة - رضِي الله عنْها - قالت: سألتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عن هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[المؤمنون: 60]، قالتْ عائشةُ: أهُم الَّذين يشْرَبون الخمر ويسرِقون؟ قال: ((لا يا بنتَ الصِّدِّيق، ولكنَّهم الَّذين يَصومون، ويصلُّون، ويتصدَّقون، وهم يَخافون ألا يُقْبَل منهم، أولئِك الَّذين يُسارِعون في الخيرات))[1].

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي - رحمه الله - في تعْليقِه على الآيات المتقدِّمة
: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾؛ أي: وجِلون مشْفقة قلوبُهم، كل ذلك من خشية ربِّهم؛ خوفًا من أن يضَع عليهم عدْلَه فلا يُبقي لهم حسنة، وسوء ظنٍّ بأنفُسِهم ألا يكونوا قد قاموا بحقِّ الله، وخوفًا على إيمانهم من الزَّوال، ومعرفة منهم بربِّهم وما يستحقُّه من الإجلال والإكرام، وخوْفهم وإشفاقهم يُوجب لهم الكفَّ عمَّا يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتَّقصير في الواجبات[2].

ولقد كان أصحابُ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - مع اجتهادهم في الأعمال الصَّالحة، يخشَون أن تحبط أعمالُهم، وألاَّ تُقْبل منهُم؛ لرسوخ علمهم، وعميق إيمانِهم، قال أبو الدَّرداء: "لأَنْ أعلم أنَّ اللَّه تقبَّل منّي ركعتين، أحب إليَّ منَ الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ الله يقول:﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ[المائدة: 27]".

روى البخاري في صحيحِه مِنْ حديث أبِي بردة بن أبي موسى الأشْعري، قال: قال عبدالله بن عُمر: هل تدْري ما قال أبِي لأبيك؟ قال: فقلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: "يا أبا موسى، هل يسرُّك إسلامُنا مع رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وهجرتُنا معه وجهادُنا معه وعملُنا كلّه معه برَد لنا، وأنَّ كلَّ عملٍ عمِلْناه بعدُ نجوْنا منه كفافًا رأسًا برأْس؟"، فقال أبي: لا والله، قد جاهدْنا مع رسولِ الله
- صلَّى الله عليْه وسلَّم - وصلَّينا وصُمْنا وعمِلْنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشَرٌ كثير، وإنَّا لنرجو ذلك، فقال أبي: "لكنِّي أنا والَّذي نفس عُمر بيدِه، لوددتُ أنَّ ذلك بَرَدَ لنا، وأنَّ كلَّ شيءٍ عمِلْناه بعدُ نجوْنا منه كفافًا رأسًا برأْس"، فقلت: إنَّ أباك - والله - خيرٌ من أبي[3].

قال ابنُ حجر
:
والقائل هو أبو بُرْدة، وخاطب بذلك ابنَ عُمر، فأراد أنَّ عُمرَ خيرٌ من أبي موسى، فعُمر أفضل من أبِي موسى؛ لأنَّ مقام الخوف أفضل من مقام الرَّجاء، فالعِلْم مُحيط بأن الآدمي لا يخلو عن تقْصيرٍ ما في كلّ ما يريد من الخير، وإنَّما قال ذلك عمر هضْمًا لنفْسِه، وإلاَّ فمقامه في الفضائل والكمالات أشهر من أن يُذْكَر[4]"؛ اهـ.

قال ابن القيِّم - رحمه الله
-:
"والمراد أنَّ المؤمِن يُخفي أحواله عن الخلْق جهده، كخشوعه وذلِّه وانكِساره؛ لئلاَّ يراها النَّاس فيعجبه اطّلاعهم عليْها، ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلْبه وحاله مع الله، وكم قدِ اقتطع في هذه المفازة مِن سالك! والمعصوم مَن عصمَه الله، فلا شيء أنفع للصَّادق من التحقُّق بالمسكنة والفاقة والذُّل وأنَّه لا شيء، وأنَّه ممَّن لم يصح له بعدُ الإسلام حتَّى يدَّعي الشرف فيه، ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحِمه الله - من ذلك أمرًا لَم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيءٌ، ولا منِّي شيء، ولا فيَّ شيء، وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا

البيت
:
أَنَا المُكَدِّي وَابْنُ المُكَدِّي
وَهَكَذَا كَانَ أَبِي وَجَدِّي

وكان إذا أُثْني عليه في وجْهِه يقول: إنّي إلى الآن أُجَدّد إسلامي في كلّ وقْتٍ، وما أسلمْتُ بعدُ إسلامًا جيّدًا"[5].

ومن الناس مَن إذا نصحتَه في أمرٍ ما قال:نحن أحسنُ من غيرِنا بكثير، غيرُنا لا يصلِّي، ويفعل الموبقات، ونحن نصلّي ونصوم ونؤدّي فرائض الإسلام، فيقول هذا معجبًا بعمله، ومثل هذا يذكِّر بقول الله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[الحجرات: 17].

روى البخاريّ ومسلم من حديث أبِي هريرة
- رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((انظُروا إلى مَن أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزْدَروا نعمة الله))[6].

قال ابن بطَّال
:
"هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأنَّ المرء لا يكون بحالٍ تتعلَّق بالدين من عبادة ربّه مجتهدًا فيها، إلاَّ وجد مَن هو فوقه، فمتى طلبت نفسُه اللّحاق به استقْصر حاله، فيكون أبدًا في زيادة تقرُّبه من ربّه، ولا يكون على حال خسيسةٍ من الدُّنيا، إلاَّ وجد من أهلها مَن هو أخس حالاً منه، فإذا تفكَّر في ذلك علم أنَّ نعمة الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضل عليه بذلك من غير أمرٍ أوْجبه، فيلزم نفسه الشُّكر، فيعظم اغتباطه بذلك في معاده"[7]؛ اهـ.

ونبيُّنا محمَّد - صلَّى الله عليْه وسلَّم - كان المثَل الأعلى في التواضُع، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالكٍ - رضِي الله عنْه - قال: جاء رجُل إلى رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: يا خيرَ البرِيَّة، فقال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ذاك إبراهيم - عليه السَّلام
))[8].

وعمر - رضِي الله عنْه - كما في الأثر السَّابق، الخليفة الثَّاني، ومن العشَرة المبشَّرين بالجنَّة - يقول عنْه النبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((لو كان بعْدي نبيٌّ لكان عُمر
))[9]، ومع ذلك يقول: "ودِدت أنّي نجوْتُ منها كفافًا، لا لي، ولا عليَّ"[10].

وفي صحيح البُخاري من حديث محمَّد بن الحنفيَّة قال: قلتُ لأبِي: أيّ النَّاس خيرٌ بعد رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم؟ قال: أبو بكر، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عُمر، وخشِيت أن يقول: عثمان، قلتُ: ثمَّ أنت؟ قال: "ما أنا إلاَّ رجُل منَ المسلمين
"[11].

وروى البخاري في صحيحِه من حديث العلاء بن المسيَّب عن أبيه قال: لقِيتُ البراء بن عازب - رضِي الله عنْه - فقلتُ
: طوبَى لك؛ صحبتَ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وبايعتَه تحتَ الشَّجرة، فقال: "يا ابنَ أخي، إنَّك لا تدري ما أحْدثْنا بعده"[12].

يقول ابنُ المبارك
: "إنَّ الصَّالحين كانت أنفُسُهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإنَّ أنفُسَنا لا تُواتينا إلاَّ كرهًا"[13]، وهذا مِن تواضُعه، وإلاَّ فهو العلامة الزَّاهد الورِع، قال المرّوذي: سمعتُ أبا عبدالله الإمام أحمد بن حنبل ذكَر أخلاق الورِعين فقال: "أسأل الله ألا يمقُتَنا، أين نحن من هؤلاء؟!".

وقال صالح بن أحمد: كان أبي إذ دعا له رجُل يقول
: "الأعمال بخواتيمها"، وقال مرَّة: "ودِدتُ أنّي نجوت من هذا الأمر كفافًا، لا عليَّ ولا لي"، وقال المرّوذي: أدخلت إبراهيم الحصري على أبي عبدالله - وكان رجلاً صالحًا - فقال: إنَّ أمّي رأت لك منامًا هو كذا وكذا، وذكرت الجنَّة، فقال: "يا أخي، إنَّ سهل بن سلامة كان النَّاس يُخبرونه بِمثل هذا وخرج إلى سفْك الدّماء"، وقال: "الرُّؤيا تسرُّ المؤمن ولا تغرُّه"، وقال له المرّوذي يومًا: كيف أصبحتَ يا أحمد؟ قال: "كيف أصبح مَن ربُّه يُطالبُه بأداء الفرائض، ونبيُّه يُطالبُه بأداء السّنَّة، والملَكان يطالبانِه بتصْحيح العمل، ونفسُه تُطالبُه بِهواها، وإبليس يُطالبُه بالفحشاء، وملَك الموت يُراقب قبضَ رُوحه، وعياله يُطالبونه بالنَّفقة؟!"[14].

وصدق الفرزدق عندما قال
:
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ
إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ولا شكَّ أنَّ ما تقدَّم من أقوال عن السَّلف، فإنَّما مردُّها إلى أنَّهم كانوا يهضمون أنفُسَهم، ويتواضَعون، ويحتقِر أحدُهم نفسَه ويَمقُتها في ذات الله، وهذا هو حال المؤْمن التقيّ حتَّى يلقى الله.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحْبه أجْمعين.

[1]ص504 برقم 3175، وصحَّحه الألباني - رحمه الله - في صحيح سنن الترمذي (3/79- 80) برقم 2537.
[2]تفسير ابن سعدي، ص 526.
[3]ص 745 برقم 3915.
[4] "فتح الباري" (7/255).
[5] "مدارج السالكين" (1/391).
[6]ص1244 برقم 6490، وصحيح مسلم: ص 1189 برقم 2963، واللفظ له.
[7] "فتح الباري" (11/323).
[8]ص963 برقم 2369.
[9] "سنن الترمذي": ص 577 برقم 3686 وقال: حديث حسن غريب، وحسَّنه الشيخ الألباني - رحمه الله - في صحيح سنن الترمذي (3/204) برقم 2909.
[10]صحيح البخاري: ص 707 برقم 3700.
[11]ص 701 برقم 3671.
[12]ص 792 برقم 4170.
[13] "مختصر منهاج القاصدين" ص 473.
[14] "سير أعلام النبلاء" (11 / 226 - 227)



منــــــــــــــــــــقول
كتبــــه الدكتور /أمين بن عبدالله الشقاوي

السبت، 13 أغسطس 2011

كيف أقول حين أسأل ربي ؟



اقتَرَن الصيام بالدعاء ، والدعاء بالصيام ، فقال الله عزّ وَجَلّ بعد آيات الصيام : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

وقال عليه الصلاة والسلام : إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَة . رواه الإمام أحمد وصححه الأرنؤوط .(1)

وسبق تفصيل أكثر في " دعوة صائم "

وكثير مِن الناس لا يُحسِن أن يسأل ربّـه تبارك وتعالى ، وربما وَجَدْت مِن الاعتداء في الدعاء ، أو مِن تنميق الكلام وتحسينه ما يُذْهِب لُـبّ الدعاء !
ومِن ذلك تكلّف السجع .
روى البخاري عنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال : فانظر السجعَ من الدعاء فاجتنِبْه ، فإِني عهدتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابَهُ لا يفعلون إلا ذلك . يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتِناب .(2)
أي : أنهم يجتنبون السجع في الدعاء .
وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لابن أبي السائب : واجتنب السجع في الدعاء ، فإني عهدت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يَكْرَهون ذلك .(3)
وفي رواية ابن أبي شيبة قالت : اجتنب السجع في الدعاء ، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم لا يَفعلون ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة : قال بعض السلف : إذا جاء الإعْرَاب ذهب الخشوع . وهذا كما يُكْره تَكَلّف السجع في الدعاء ، فإذا وقع بغير تَكَلّف فلا بأس به ، فإن أصل الدعاء مِن القَلب ، واللسان تابِع للقَلب ، ومَن جَعل هِمَّته في الدعاء تقويم لِسانه أضْعَف تَوَجّه قَلْبه ، ولهذا يدعو المضطر بِقَلْبه دُعاء يُفْتَح عليه لا يَحضره قبل ذلك ، وهذا أمْر يجده كل مؤمن في قَلبه . اهـ .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّم أصحابه كيف يدعون الله ، كما يُعلِّمهم كيف يُصلّون .

روى الإمام مسلم مِن حديث طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي . (4)

وجَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : عَلِّمْنِي كَلاَمًا أَقُولُهُ . قَالَ : قُلْ : لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . قَالَ : فَهَؤُلاَءِ لِرَبِّي ، فَمَا لِي ؟! قَالَ : قُلِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي . رواه مسلم . (5)

وجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي خَيْرًا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ : " قُلْ : سُبْحَانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ . قَالَ : فَعَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى يَدِهِ " وَمَضَى ، فَتَفَكَّرَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَفَكَّرَ الْبَائِسُ فَجَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، سُبْحَانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، هَذَا لِلَّهِ ، فَمَا لِي ؟! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَعْرَابِيُّ إِذَا قُلْتَ: سُبْحَانَ اللهِ ، قَالَ اللهُ : صَدَقْتَ ، وَإِذَا قُلْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ اللهُ : صَدَقْتَ ، وَإِذَا قُلْتَ : لا إِلَهَ إِلا اللهُ ، قَالَ اللهُ : صَدَقْتَ ، وَإِذَا قُلْتَ : اللهُ أَكْبَرُ ، قَالَ اللهُ : صَدَقْتَ ، وَإِذَا قُلْتَ : اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ، قَالَ اللهُ : فَعَلْتُ ، وَإِذَا قُلْتَ : اللهُمَّ ارْحَمْنِي ، قَالَ اللهُ : فَعَلْتُ ، وَإِذَا قُلْتَ : اللهُمَّ ارْزُقْنِي ، قَالَ اللهُ : قَدْ فَعَلْتُ . قَالَ : فَعَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى سَبْعٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ وَلَّى . رواه البيهقي في " شُعب الإيمان " ، وإسناده جيد . (6)

وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي ؟ قَالَ : قُلِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي - وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلاَّ الإِبْهَامَ - فَإِنَّ هَؤُلاَءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ . رواه مسلم . (7)
وذلك لأن المغفرة والرحمة مُتعلِّقَة بالآخرة . والمعافاة والرِّزْق مُتعلِّقَة بالدّنيا .
ومَن غُفِر له ورُحِم فقد فاز في ألآخرة ، ومَن عُوفي ورُزِق في الدنيا فقد سَعُد في الدنيا .
فَدَارَتْ سعادة الدنيا والآخرة على أربع كلمات .

وسأله أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه فقال : يا رسولَ اللّه علمني دُعاءً أَدعو به في صلاتي . قال : قل : اللهمّ إني ظلمتُ نفسي ظلما كثيرا ، ولا يَغفرُ الذّنوبَ إلاَّ أنتَ ، فاغفِرْ لي مغفرةً مِن عندَك ، وارحمني إنكَ أنتَ الغفور الرّحيم . رواه البخاري ومسلم .(8)
وقَالَ عَلِيّ رضي الله عنه : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي . وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ . رواه مسلم .(9)

وأجْمَع الدعاء ، هو الدعاء الكامل ، الذي لم يترك شيئا مِن خيري الدنيا والآخرة .
وهو ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها .
فَعَن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَعَائِشَةُ تُصَلِّي ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ "، أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى ، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ؟
فقال لها : قولي : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا . رواه الإمام أحمد وابن ماجه ، وصححه الألباني والأرنؤوط .(10)

ولَمّا سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يَا نَبِيَّ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : " تَقُولِينَ : اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ ، فَاعْفُ عَنِّي . رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه ، وصححه الألباني والأرنؤوط . (11)

إذا عَرَفْت هذا ، فتأمّل في دعوات كثير مِن الناس ، وما يَلْهَج به كثير مِن أئمة المساجد مِن أدعية مُتكلَّفَة ، واعتداء مَذموم مَنْهِيّ عنه ، تَجِد أنها خِلاف السنة ، مع ما فيها مِن تضييع الدعاء ، والمشقّة على الناس بالوقوف الطويل .

إذ ليس كل الدعاء جائزا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ويَحْرُم الاعتداء في الدعاء ، لقوله تعالى : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، وقد يكون الاعتداء في نفس الطلب ، وقد يكون في نفس المطلوب . اهـ .

وقد سَمِعت أحد الأئمة مرة يدعو ، فقال في دعائه : وتَوَفَّنَا فيمن تَوفَّيت !
فأجْزِم أن مثل هذا كثير ، وهم مَن يَشْتَغِلون بتصفيف الكلام ، دون مراعاة الدعاء ، ودون حضور قلب .
وفي الحديث : ادعوا الله وأنتم مُوقِنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يَستجيب دُعاء مِن قَلْبٍ غافلٍ لاهٍ . رواه الإمام أحمد والترمذي ، وصححه الألباني .

21 / رمضان / 1431 هـ .

كتبه الشيخ عبد الرحمن السحيم حفظه الله
منقـــول
منتدى الإرشاد للفتاوى الشرعية


(1)الراوي: أبو هريرة أو أبو سعيد الخدري المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 13/188 - خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

(2)الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6337- خلاصة حكم المحدث: [صحيح

(3) الراوي: ابن أبي السائب المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الموارد - الصفحة أو الرقم: 98-خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره.

(4)الراوي: أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2697-خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(5)الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2696-خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(6)الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 3336-خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد رجاله ثقات .

(7)الراوي: أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2697-خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(8)الراوي: أبو بكر الصديق المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 834-خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

(9) الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2725-خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(10)الراوي: عائشة المحدث: الألباني - المصدر:صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3116-خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(11)الراوي: عائشة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3513-خلاصة حكم المحدث: صحيح.


الخميس، 11 أغسطس 2011

من فطَّر صائماً .



الحمد لله ما حمده الذاكرون الأبرار، والصلاة والسلام على النبي المختار،
وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد:


فمن لطف الله سبحانه وتعالى وعظيم نواله، أن جعل أبواب الخير في رمضان مشرعة، وأغدقه بأعمال من البر مترعة، ألا وإن من جملة تلك العبادات التي حثَّ الشارع عباده عليها: تفطير الصائمين، الذي ارتبط فضله وأجره بمنزلة الصوم، ومكانة الصائمين عند الله عز وجل، ولذا كان الجزاء على تفطيرهم عظيماً يتناسب مع منزلة الصوم، ومكانة الصائمين فقد ثبت عن زيد بن خالدٍ الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيء » (1)، قال العلامة المناوي: "« من فطَّر صائماً» بعشائه، وكذا بنحو تمر، فإن لم يتيسر فماء، «كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء»، ثم يتابع فيقول: فقد حاز الغني الشاكر أجر صيامه هو أو مثل أجر الفقير الذي فطره، ففيه دلالة على تفضيل غني شاكر على فقير صابر" (2)، وقال شيخ الإسلام: "والمراد بتفطيره أن يشبعه" (3).

"وفي الحديث من الفقه أن كل من أعان مؤمناً على عمل بر فللمعين عليه أجرٌ مثل العامل، وإذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من جهَّز غازياً فقد غزا، فكذلك من فطَّر صائماً، أو قوَّاه على صومه، وكذلك من أعان حاجَّاً أو معتمراً بما يتقوى به على حجه، أو عمرته حتى يأتي ذلك على تمامه، فله مثل أجره" (4).



حرص السلف على تفطير الصائمين:


- كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاء سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقى في الجفنة، فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً.


- وهذا الحسن البصري يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً،
ويجلس يروحهم وهم يأكلون.


- وأُثِرَ عن حماد بن أبي سليمان أنه كان يفطر كل ليلة في شهر
رمضان خمسين إنساناً، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوباً ثوباً.


- وقال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.


- واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه، وبات طاوي(5).



فضائل أخرى:


ومما ينشأ عن عبادة تفطير الصائمين عبادات كثيرة منها:


- التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «
لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا »(6).

- مجالسة الصالحين، واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى معدداً فضائل الجود في رمضان ومنها: "إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم"(7).


ومن البشائر أن تجد هذه السنَّة بفضل الله ما زالت قائمة، يتسابق إليها الناس، وينشأ عليها الجيل بعد الجيل، فلله الحمد أولاً وأخراً.


فيا أخي: أبذل القليل من مالك تغنم الكثير منتهى مآلك، وأسعد صائماً بفطرك تنعم بها يوم نشرك، فبادر ولا تنس فبين يديك شهر الجود والإحسان، سدَّد الله خطاك للمغنم، وعظيم الغفران.


وصلى الله وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم.




(1) رواه الترمذي برقم (807)، وابن ماجه برقم (1446)،
وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (11360).
(2) فيض القدير (6/187).
(3) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/376).
(4) شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/51).
(5) اختيار الأولى في شرح حديث اختصار الملأ الأعلى.
(6) رواه أبو داود برقم (5195)، والترمذي برقم (2510)، وابن ماجه برقم (68)،
وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (5673).
(7) شذى الريحان في روائع رمضان (183).
منـــــقول
طــــريق الإســلام

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

تفسيــر آية 29 سورة فاطر .



الســلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) . ســـورة فــاطر

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآيــة

( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ) أي: يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها.

ثم خص من التلاوة بعد ما عم، الصلاة التي هي عماد الدين، ونور المسلمين، وميزان الإيمان، وعلامة صدق الإسلام، والنفقة على الأقارب والمساكين واليتامى وغيرهم، من الزكاة والكفارات والنذور والصدقات. ( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) في جميع الأوقات.

( يَرْجُونَ ) [بذلك] ( تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ) أي: لن تكسد وتفسد، بل تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئا.

وذكر أنهم حصل لهم ما رجوه فقال: ( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ) أي: أجور أعمالهم، على حسب قلتها وكثرتها، وحسنها وعدمه، ( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) زيادة عن أجورهم. ( إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) غفر لهم السيئات، وقبل منهم القليل من الحسنات.


منـــقول

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن

للشــيخ السعدي رحمه الله

الاثنين، 8 أغسطس 2011

من آداب الطعــــام .



من آداب الطعام

أخي الصائم:
لعلك تتهيأ أنت وأسرتك هذه اللحظة - قبيل آذان المغرب - لتناول طعام الإفطار بعد عناء يوم ربما أضناك طول نهاره، وأرهقك تأخر غروب شمسه، وكأني بك تتلهف لشربة ماء تروي بها عطشك، وعذق تمر تسكت به جوعك، وأهلك وأولادك وأقاربك من حولك ليسوا بأحسن حال منك، فدعاؤنا لك أولاً: أن يبارك الله لك في مائدتك، ونستسمحك ثانياً: أن نقف معك في لحظات معدودة؛ لنعيش سوياً نحن وإياك مع آداب الطعام التي حثت شريعتنا الغراء على تحقيقها، لتذكر بها نفسك ثم أسرتك من حولك، "فإن الالتزام بهذه الآداب مما يجلب البركة، ويهذب الطباع، ويعلِّم التواضع، ويحقق الشكر لله، ويبعد الشياطين، ويورث محبة الخالق - سبحانه -"[1]، وهذه الآداب منها ما يكون قبل الأكل، ومنها ما يكون أثناءه، ومنها ما يكون بعده، وإليك هذه الآداب:
أولاً: آداب ما قبل الآكل ومنها:
1- النية الصالحة: فينبغي للمسلم أن يستحضر في طعامه نية صالحة مثل أن ينوي بهذا الأكل التقوِّي على طاعة الله، وحفظ الحياة والصحة اللتين بوجودهما تدوم الأعمال الصالحة، وهكذا يصير الأكل في حقه عبادة يثاب عليها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات))[2].
2- عدم الإسراف: امتثالاً لأمر الله في كتابه: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[4].
ثانياً: آداب أثناء الأكل ومنها:
1- الاجتماع وتكثير الأيدي على الطعام: لحديث ((اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه؛ يبارك لكم فيه))[5].
2- انتظار الطعام الساخن حتى يبرد فقد جاء عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - أنها كانت إذا ثرَّدت غطته شيئاً حتى يذهب فوره، ثم تقول: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:((إنه أعظم للبركة))[6].
3- أن لا يعيب الطعام فإن أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: "ما عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه"[7].
4- الدعاء عند الإفطار، والمأثور في السنة إذا كان صائماً أن يقول عند فطره: ((ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله))[8].
5- التسمية أول الطعام، وهذا من أعظم آدابه وأهمها، وقد ورد في التنويه بشأنه قوله - صلى الله عليه وسلم - ((يا غلام: سم الله، وكل بيمنك، وكل مما يليك))[9]، ومن نسي التسمية في أول الطعام، ثم تذكر أثناءه فإنه يقول: بسم الله أوله وآخره[10].
6- الأكل باليد اليمنى: وهذا واجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه))[11].
7- الأكل بثلاث أصابع: وهي الإبهام والسبابة والوسطى، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها"[12].
8- الأكل مما يليه، وهذا من الأدب الرفيع عند الطعام لقوله - صلى الله عليه وسلم - للغلام: ((وكل مما يليك))[13]، لكن يستثنى من ذلك "إِذَا اِخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاع؛ فَقَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ"[14].
9- الأكل من جوانب القصعة وليس من وسطها؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - ((كلوا في القصعة من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها؛ فإن البركة تنزل في وسطها))[15].
10- ترك الاتكاء أثناء الأكل؛ لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا آكل وأنا متكئ))[16].
11- عدم الأكل منبطحاً على بطنه، إذ في ذلك مخالفة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد "نهى عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه"[17].
12- عدم القران بين تمرتين، فقد ورد النهي عن ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أكل مع قوم من تمر فلا يقرن، فإذا أراد أن يفعل فليستأذنهم؛ فإن أذنوا له فليفعل))[18]، وقد قيل: إن هذا خاص بالتمر فقط، وقيل: إنه عام في جميع الفاكهة؛ وهذا أصح، والله أعلم[19].
13- عدم الإفراط في الأكل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه...))[20].
14- لعق الصفحة، وذلك بتتبع بقايا الطعام فيها؛ فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((وليسلت أحدكم الصفحة، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم تكون البركة))[21].
15- لعق الأصابع قبل مسحها أو غسلها؛ التماساً لبركة الطعام، وإحياءاً لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول أنس بن مالك: كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث"[22].
ثالثاً: آداب ما بعد الفراغ من الأكل:
-
شكر الله - تعالى - على نعمته؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أكل أو شرب قال: ((الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مخرجاً))[23]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من أكل طعاماً ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه))[24].
-
الدعاء لصاحب الطعام: فقد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند بعض أصحابه؛ فلما فرغ دعا لهم فقال: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة))[25].
-
عدم إطالة الجلوس بعد الطعام هذا إن أكل الإنسان عند غيره لقوله - تعالى -: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا}[26].
و ثمة آداب لم نتطرق إليها اتكالاً منا على إدراكك لها؛ إذ هي من الشهرة بمكان تجعلنا نستغني عن إيرادها في هذه المقالة القصيرة، فاجعلها في البال ولا تغفلها.
ختاماً نقول: تناول وجبتك هنيئاً، أطاب الله مطعمك، وتقبَّل الله صومك، ولا تنسَ أمتك من دعوة صالحة صادقة تضرع بها إلى ربك.
أدام الله عافيتك.
[1] موسوعة الآداب الإسلامية (108).
[2]
رواه البخاري برقم (1)، ومسلم برقم (15151).
[4]سورة الأعراف (31).
[5]
رواه أبو داود برقم (3766)، وابن ماجه برقم (3286)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (124).
[6]
رواه أحمد في مسنده برقم (27003)،
حققه الألباني - السلسلة الصحيحة - برقم: 2/262
خلاصة حكم المحدث:
صحيح على شرط مسلم في الشواهد .
[7]
رواه البخاري برقم (3370).
[8] رواه أبو داود في سننه برقم (2359)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (8807).
[9]
رواه البخاري في كتاب الأطعمة باب التسمية على الطعام والأكل باليمين برقم (5061)، ورواه مسلم في كتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب وأحكامها برقم (2022).
[10]
تطريز رياض الصالحين (1/464).
[11]
رواه مسلم في كتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب وأحكامها برقم (2020).
[12]
رواه مسلم برقم (2032).
[13]
سبق تخريجه برقم (9).
[14]
فتح الباري لابن حجر (15/247).
[15]
رواه أحمد في مسنده برقم (2439)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
[16]
رواه البخاري برقم (5084).
[17]
رواه أبو داود برقم (3776)،حققه الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 2394خلاصة حكم المحدث: صحيح
[18]
صحيح ابن حبان بتحقيق الأرناؤوط برقم (5232)، : الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6088
خلاصة حكم المحدث: صحيح

[19]
الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي (1/205).
[20]
رواه الترمذي برقم (2380)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (10611).
[21]
رواه مسلم برقم (5428)، ومعنى يسلت: يمسح.
[22]
رواه مسلم برقم (5426).
[23]
رواه أبو داود برقم (3853)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (3851).
[24]
رواه أبو داود برقم (4025)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (4023).
[25]
رواه أبو داود برقم (3856)، وابن ماجه برقم (1747)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (2017).
[26]
سورة الأحزاب (53).
اللهم اغفر لكاتبها وناقلها,وقارئها واهلهم وذريتهم واحشرهم معا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
اللهم آمين

منــــــقول بتصـــرف يسيـــر


وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ





تفســــــير قوله تعـــالى ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
سورة الشعراء آية 215


قــــال الشـــيــخ السعــدي رحمه الله في تفسير الآية


بلين جانبك, ولطف خطابك لهم, وتوددك, وتحببك إليهم, وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم, ذلك كما قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم, أكمل الأخلاق, التي يحصل بها من المصالح العظيمة, ودفع المضار, ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله, ويدعي اتباعه والاقتداء به, أن يكون كلا على المسلمين, شرس الأخلاق, شديد الشكيمة عليهم , غليظ القلب, فظ القول, فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية, أو سوء أدب, هجرهم, ومقتهم, وأبغضهم، لا لين عنده, ولا أدب لديه, ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة, من المفاسد, وتعطيل المصالح ما حصل, ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم, وقد رماه بالنفاق والمداهنة, وقد كمَّل نفسه ورفعها, وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من جهله, وتزيين الشيطان وخدعه له، ولهذا قال الله لرسوله: ( فَإِنْ عَصَوْكَ ) في أمر من الأمور, فلا تتبرأ منهم, ولا تترك معاملتهم, بخفض الجناح, ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم, فعظهم عليه وانصحهم, وابذل قدرتك في ردهم عنه, وتوبتهم منه، وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم, أن قوله ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ) للمؤمنين, يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم, ما داموا مؤمنين, فدفع هذا بهذا
والله أعلم.

منـــقول
تفســــير السعدي